تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
شرح
قوله تعالى قبل ذلك :« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُم وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ »( 1 ) ، ونظيره قوله تعالى في سورة النحل :« فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ*إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ. . . *وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ . . . »( 2 ) . وأمّا قوله تعالى :« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ »( 3 ) وقوله تعالى :« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ »( 4 ) فالظاهر أنّه من مصاديق حصر الموضوع في المحمول ؛ وقد يكون بالنسبة إلى متعلّقات المحمول ، ولعلّه من هذا القبيل :« إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »( 5 ) فإنّ المستفاد أنّ المقصود أنّ الاعتصام التكوينيّ بالنسبة إلى أهل البيت دون غيرهم من المسلمين أو غيرهم ، فهذا بنفسه دليل على الإرادة التكوينيّة دون التشريعيّة . ويمكن الاستدلال بتلك الاستعمالات الكثيرة غير المختلفة خصوصاً مع التوجّه إلى نكتة في بعض الآيات الّتي منها آية« إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . . . »( 6 ) وأنّه لولا الدلالة على الحصر ولم يكن المقصود منها الحصر بالظهور لا بقرينة السابق لم يكن مربوطاً بسابقة وكان غير مناسب لسابقه ، وليس صِرف عدم المناسبة قرينةً على إرادة الحصر حتّى يصير مناسباً ، بل يحمل على إلقاء الكلام من دون مراعاة التناسب ، وذلك كالآيتين السابقتين الواردتين في حرمة الميتة والدم . وأمّا آية الولاية فقبلها« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ »( 7 ) إلى أن قال تعالى :« فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ »( 8 ) إلى أن قال تعالى :« إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ »( 9 ) ، وإن كان يمكن أن يقال فيها : إنّ تقديم ما هو حقّه التأخير في ذلك أيضاً يفيد الحصر . ثمّ إنّ الحصر الإضافيّ في ذلك كلّه كأنّه مقطوع العدم ، إذ ليس ذلك إلّا تكراراً لما مضى ، ولا فائدة فيه بعد ذكر القضيّتين كما لا يخفى . ولعلّه قد يتوهّم في بعض الاستعمالات عدم دلالتها على الحصر ، لخفاء نكتة الحصر ؛ ولعلّ من هذا القبيل قوله تعالى في سورة الحجرات :« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ »( 10 ) ، فإنّه يمكن أن يقال : ليس فيها حصر الموضوع في المحمول بأن يقال : ليست لهم حيثيّة إلّا الاخوّة ، ولا حصر المحمول في الموضوع بأن تكون الاخوّة منحصرةً بالمؤمنين ، إذ لا نكتة لذلك ، فإنّه لو قال مكان ذلك : « إنّ المؤمنين إخوة » لكفى في ذلك . والجواب : أنّ النكتة في حصر المحمول في الموضوع أنّ النصرة المعدّة للأخ وأن ينصر إخوته ليس له محلّ آخر ، فافهم وتأمّل . ولعلّ ذلك كلّه كافٍ في الاطمينان بالدلالة على الحصر ، لا من حيث الإثبات والنفي اللذين
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 172 . ( 2 ) سورة النحل : 114 - 116 . ( 3 ) سورة التوبة : 28 . ( 4 ) سورة المائدة : 90 . ( 5 ) سورة الأحزاب : 33 . ( 6 و 9 ) سورة المائدة : 55 . ( 7 ) سورة المائدة : 51 . ( 8 ) سورة المائدة : 52 . ( 10 ) سورة الحجرات : 10 .
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 525 | الشيخ مرتضى الحائري