شرح
ومنها : ظهورها قطعاً في أنّه بصدد بيان التحريك نحو العمل ، وليس بصدد بيان منشأ الأحكام وأنّ العلّة لها كذا وكذا من دون دخالة ذلك في العمل الّذي سيقت القضيّة الشرطيّة المشتملة على الحكم للتحريك نحوه .
إذا عرفت ذلك فمقتضاه ظهور القضيّة في المفهوم ، بمعنى عدم كفاية ذات الموضوع لأن يكون بنفسه متعلّقاً للحكم أو من جهة عنوان أو عناوين منطبقة عليه دائماً بحيث لا يكون فرق بين صورة وجود الشرط وعدمه .
ولا فرق بين صورة احتمال التأكّد وعدمه ، لما عرفت في المقدّمات ، ولا بين صورة وجود نكتة أخرى غير الدخالة في الحكم وعدمها ، إلّا أن دلالتها على المفهوم في صورة عدم احتمال التأكّد وعدم نكتة في التقييد وعدم انطباق عنوان أو عناوين اخر مقتضية للحكم دائماً صريحة في المفهوم .
ولعلّه من ذلك القبيل قوله عليه السلام : « الماء إذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شيء » ( 1 ) لعدم قابليّة الاعتصام للتأكّد ، وعدمِ نكتة غير دخالة الكثرة في الاعتصام في الجملة ، وعدمِ انطباق عنوان آخر على الماء غير نفس عنوانه الذاتيّ الّذي يقتضي الاعتصام ، فدلالته على انفعال القليل في الجملة ضروريّ . نعم ، لا يدلّ ذلك على عدم علّة أخرى للاعتصام منطبقة على الماء تارة وغير منطبقة عليه أخرى ، فلا ينافي أدلّة الجاري والمطر وماء البئر .
وأمّا في مثل « إذا جاءك زيد فأكرمه » ممّا يحتمل فيه التأكّد فقط أو ينطبق عنوان آخر عليه دائماً أو الأمران فليس في دلالته على المفهوم مثل ما تقدّم وإن كان ظاهراً فيه حسب ما عرفت من الأمور المتقدّمة ، فبما أنّها ظاهرة في أصل الحكم لا الأعمّ منه ومن مرتبة منه يرتفع احتمال التأكّد في ما يحتمل ، وبما أنّها ظاهرة في الإلقاء بداعي العمل يرتفع احتمال إطلاق الحكم لذات الموضوع بعنوان آخر ينطبق عليه إذا لم يكن الشرط المذكور مطلقاً أو في الجملة ، فإنّه لا فرق من حيث العمل في ذلك ، وبما أنّها لبيان الحكم والموضوع يرتفع احتمال الإتيان بالشرط لنكتة أخرى كفسق الوليد في الآية الشريفة .
فتحصّل أنّ القضيّة الشرطيّة تدلّ على المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء بنحو القضيّة المهملة وأنّ الموضوع بذاته أو بواسطة انطباق العنوان عليه ليس كافياً في الحكم على وجه الإطلاق .
وأمّا دلالتها عليه على نحو أوسع من ذلك فالظاهر أنّه كذلك بالنسبة إلى ما اتي شرطاً وكان أعمّ من الشرط الثاني ، فإنّها تدلّ أيضاً على عدم كفاية الشرط الأوّل ، كما إذا قال : « إذا جاءك زيد وضاحك فأكرمه » فإنّها كما تدلّ على عدم كفاية الموضوع - وهو زيد - لوجوب الإكرام كذا تدلّ على عدم كفاية أصل المجيء لأصل الوجوب أيضاً ، والوجه فيه هو الوجه في أصل الموضوع من دون فرق بينهما ، والظاهر أنّه كذلك في ما لو لم يكن الشرط الأوّل أعمّ من الثاني . وهذا كلّه لا إشكال فيه .
إنّما الإشكال في ما إذا لم يذكر الأعمّ في الدليل فهل يدلّ الشرطيّة على عدم كفاية الأعمّ للحكم أو الأعمّ الأسبق في الوجود أم لا ؟ فيه وجهان . مثاله « الماء إذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شيء » ( 2 ) فهل يدلّ ذلك على عدم
هامش
( 1 و 2 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 117 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق .