هذا كلّه إذا تعلّق النهي ( 1 ) بالعنوان الّذي يكون مورداً لتعلّق الأمر العباديّ التعيّنيّ على فرض عدم تعلّق التحريم به .
وأمّا إذا تعلّق النهي بشيء وصار محرّماً وكان على فرض عدم التحريم فرداً من الطبيعة المأمور بها بعنوان التعبّد ، كما إذا تعلّق النهي بالصلاة وراء النار المضرمة ، أو تعلّق النهي بالصلاة في الدار المغصوبة بعنوان الغصب ، ففي اقتضائه الفساد إشكال :
أمّا في الأوّل فلأنّه إذا فرض كون المصلحة الكامنة في الصلاة - كما في الفريضة منها - أقوى من المفسدة المتحقّقة في العنوان المحرّم فيمكن أن يقال بأنّه يتمكّن المكلّف من قصد القربة ، وذلك لدرك المصلحة الأقوى ، فإنّ من لا يكون تاركاً للصلاة الفريضة مع عدم مبالاته من الاقتحام في بعض المحرّمات يختار الصلاة في الفرد المحرّم لبعض الدواعي بعد كونه متحرّكاً من الأمر الصلاتيّ ، فإنّه لا يقدم على الصلاة خلف النار المضرمة إلّا في فرض انقداح الداعي في نفسه إلى الصلاة لكن حيث
شرح
( 1 ) وهنا وجه ثالث للفساد غير مرضيّ عندنا وهي المبغوضيّة الفعليّة .
ومقتضى الوجه الأوّل فساد العبادة مطلقاً حتّى في صورة الجهل المعذّر .
ومقتضى الوجه الثاني هو الفساد في صورة العلم أو الجهل البسيط التقصيريّ ، دون الجهل المركّب التقصيريّ والجهل البسيط المعذور فيه المأمون من العقاب برجاء درك الثواب .
ومقتضى الوجه الثالث بطلانها في صورة العلم أو الجهل التقصيريّ ، مركّباً كان أو بسيطاً .
ويمكن أن يقال : إنّ الملاك في فساد العبادة أحد الأمرين : إمّا فقدان قصد التقرّب وإمّا عدم الملاك ، وأمّا إذا كان العمل واجداً للملاك ولو للملاك المغلوب وقصد به التقرّب فيصحّ عبادة ؛ وحينئذٍ يمكن أن يقال بصحّة العبادة في حال الجهل المركّب أو الجهل البسيط المعذور فيه ، لوجود الأمرين فلا دليل على الفساد .
ويبتني على ذلك أمران :
أحدهما : حصول العبادة في بعض المباحات بل المكروهات إذا كان فيها ملاك المحبوبيّة المغلوبة ، فإذا كان المكلّف جاهلًا بوجود الجهة الغالبة على المصلحة الكامنة فيه فقصد التقرّب بتخيّل الاستحباب أو الوجوب فما عمله يكون عبادةً عمليّةً لا من باب الانقياد .
ثانيهما : صحّة العبادة المنهيّة عنها إذا كان فيها الملاك المغلوب ، فلو كان صوم يوم العيد فيه الملاك المغلوب وجهل المكلّف أنّه العيد فصام بقصد كونه عرفة وكان عيداً يصحّ صوماً ، فيبرأ بذلك نذره أو حلفه إذا احرز فيه الملاك ولا يبعد إحراز الملاك في الصوم مثلًا ببعض الإطلاقات الدالّة على ثبوت المصالح للصوم مطلقاً .