ومنه يظهر الكلام في ما لو دار الأمر بين ترك بعض أجزاء المركّب المترتّب عليه مركّب آخر ، كما في القيام بالنسبة إلى صلاة الظهر أو العصر . وهو الصورة الثالثة من الصورة المتقدّمة في صدر البحث .
الرابع : أن يكون التزاحم بين الإتيان بواجب أهمّ وتركِ الحرام الّذي هو مقدّمة للواجب الأهمّ ، كما لو توقّف إنقاذ الغريق على السلوك من الطريق المغصوب ؛ أو بينه وبين فعل واجب يكون تركه مقدّمة له ، كما في الصلاة والإزالة بناءً على مقدّميّة ترك الضدّ لفعل ضدّه الآخر .
وحينئذٍ يقع البحث في أنّه هل يصحّ الترتّب بمعنى الحكم بحرمة المقدّمة في المثال الأوّل والحكم بوجوب الصلاة في المثال الثاني على تقدير عصيان ذي المقدّمة أو لا يمكن ذلك ؟
وجه عدم الترتّب على فرض المقدّميّة : أنّه لم يسقط وجوب المقدّمة بصِرف فرض عصيان ذي المقدّمة ، كما أنّه لم يسقط وجوب ذي المقدّمة بصِرف الفرض المذكور ، فالمقدّمة واجبة ؛ فحينئذٍ إمّا يقال بوجوبها من حيث كونها مقدّمة وحرمتِها من حيث الذات ، فيلزم اجتماع الضدّين في عرض واحد ، أو يقال : إنّها تحرم على تقدير عصيان الأمر المقدّميّ ، وهو محال ، إذ فرض عصيان الأمر المقدّميّ بعدم الغصب في المثال الأوّل والإتيان بالصلاة في الثاني عين فرض إطاعة الأمر بالمهمّ فكيف يحكم بذلك ! فإنّ النهي عن الغصب على فرض عصيان المقدّمة - وهو ترك الغصب - نهي عن الشيء على فرض تركه ، وهو طلب للحاصل .
ويمكن الجواب عنه أوّلًا بأنّ الحقّ أنّ كون المكلّف بحيث لو أتى بالمقدّمة ليأتي بذيها شرط لوجوب المقدّمة ، وهو الحقّ الحقيق بالتصديق ؛ خلافاً لجلّ المشايخ القائلين بوجوب المقدّمة المطلقة أو المقدّمة بقصد الإيصال أو المقدّمة بقيد الإيصال بنحو يكون الإيصال قيداً للواجب ، فإنّ جميع ذلك مستلزم للمحذور ؛ والّذي لا محذور فيه ويساعده الوجدان قطعاً هو الالتزام بأنّ الإيصال بالمعنى المذكور شرط لوجوب
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 383
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٣٨٣