إن قلت : تعلّق الإرادة الباعثة إلى إيجاد الطبيعة مضافاً إلى المكلّف معلوم ، فإنّه على فرض إطلاق متعلّق الغرض لا يمكن أن تكون الإرادة الباعثة مطلقةً ، لعدم إمكان تعلّق البعث إلى ما لا اختيار له من الأمور التكوينيّة ، فمتعلّقها مقيّدٌ على كلّ حال ، فحينئذٍ فالعلم بالتكليف بالمقيّد حاصل ، والشكّ إنّما هو في سقوطه من غير أن يكون منشؤه الجهل بمتعلّق التكليف الّذي هو الإرادة الباعثة .
قلت : الشكّ في السقوط وإن لم يكن مسبّباً عن الجهل بمتعلّق التكليف إلّا أنّه مسبّب عن الجهل بمتعلّق الغرض ، ومقتضى حديث الرفع بالنسبة إلى متعلّق الغرض هو القطع بعدم بقاء التكليف الفعليّ ، ومورد قاعدة الاشتغال هو احتمال بقاء التكليف فعلًا ، ولا ريب أنّ بقاء التكليف لتقيّد الغرض وعدم بقائه للإطلاق هو حكم شرعيّ مترتّب على الغرض بجعلٍ ممّن بيده الأمر . ودعوى « أنّ حديث الرفع مختصّ بالحكم المجهول ولا يشمل الموضوع كذلك باعتبار أثره » مردودة بالنقض بأخبار « لا تنقض » فيسأل الفرق بينهما مع أنّ أكثر فقراتها مربوطة بالموضوعات بحيث لا تشمل الحكم أصلًا .
ومنه يظهر تقدّمه على استصحاب بقاء الحكم ، لتسبّبه عنه أيضاً ، فحديث رفع القيد أو عدم تعلّق الغرض بالمقيّد يرفع الشكّ عن بقاء الحكم وعدم بقائه ، بخلاف استصحاب بقاء التكليف فإنّه لا يرفع الشكّ عن دخالة القيد في الغرض ، لأنّه أمر تكوينيّ ؛ فتقدّم ما ذكر على الاستصحاب المذكور في المقام أولى من تقدّم الأصل السببيّ على المسبّبيّ في المثال المعروف من فرض الشكّ في طهارة الماء وغسل النجس به ، فإنّ مقتضى استصحاب طهارة الماء هو طهارة النجس ومقتضى استصحاب النجاسة نجاسته ، والأوّل مقدّم على الثاني ، لأنّه يرفع الشكّ عنه ، بخلاف الثاني إلّا على القول بالأصل المثبت ؛ وجه الأولويّة أنّ التقدّم في المثال مبنيّ على عدم حجّيّة المثبت ، وهو ترتيب الأثر الشرعيّ بواسطة أمر غير شرعيّ ، بخلاف ما نحن فيه ، لأنّ عدم ترتيب الأثر التكوينيّ بالاستصحاب واضح جدّاً .
ثمّ إنّه على فرض التعارض يرجع إلى البراءة العقليّة ، فإنّ استصحاب عدم تعلّق
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 285
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٢٨٥