المسألة الثالثة :
ربما يكون في الشرع واجب كفائيّ متعلّق بأحد المكلّفين في زمان متقدّم وبالآخر في الزمان المتأخّر ، كما لو أوصى بأن يطعم أحدُ ولده بالخصوص في الليلة الجمعة الأولى من الشهر أو الثاني في الجمعة الثانية .
وحينئذٍ يشكل كون الوجوب كفائيّاً ، لأنّ الثاني إمّا لا يجب عليه وإمّا يتعيّن ، لأنّه لا يجب عليه الإطعام في الجمعة الأولى ، وأمّا في الثانية فلا يجب أيضاً على تقدير عمل الأوّل بالوصيّة ، وعلى تقدير عدمه يتعيّن ، فحيث لا يكون الوجوب بالنسبة إلى الثاني كفائيّاً لا يكون بالنسبة إلى الأوّل أيضاً كفائيّاً .
والجواب عنه : أنّ الوجوب بالنسبة إلى الثاني فعليّ من أوّل الأمر وإن كان الواجب استقباليّاً ، فالوجوب قبل وصول وقت عمل كلّ منهما يكون كفائيّاً ، فيعرض له السقوط أو التعيّن بعد مضيّ وقت الأوّل والعمل بالوصيّة أو عدمه .
ويمكن أن يشكل أيضاً بأنّه بعد عروض التعيّن إمّا يقال بأنّ العقاب يترتّب على ترك الثاني بالخصوص دون الأوّل ، فيلزم عدم ترتّب العقاب على الأوّل بتركه ، فيلزم أن لا يكون واجباً أصلًا ، وإمّا أن يقال بأنّ العقاب على ترك كلّ
شرح
الّتي تقتضي رفع الوجوب والعقوبة ، مندفعٌ بأنّ بقاء الوجوب من باب عدم وجوب التقيّد بصورة خاصّة الموجب لعدم العقوبة على المكلّف وسعته من حيث الإتيان بالواجب أقرب إلى الامتنان من عدم بقائه مع لزوم الضيق على المكلّف واستحقاقه العقوبة بترك مراعاة القيد كما هو واضح .
وهذا الكلام جارٍ في الواجب العينيّ المردّد بين أن يكون مقيّداً بوقت خاصّ أو بوضع خاصّ أو مكان مخصوص ، فتبصّر .
فرع : لا شبهة في توجّهِ التكليف المضادّ الكفائيّ إذا كان عاصياً للتكليف العينيّ الواجب عليه وسقوطِ الكفائيّ عنه حينئذٍ ، من جهة العلم بقيام الغير به بناءً على الترتّب .
وأمّا إذا كان التكليف بالكفائيّ أهمّ من حيث الملاك ، كتجهيز الأب وكان الوليّ له اثنين في عرض واحد وكان أحدهما مكلّفاً بتكليف آخر في الرتبة الدانية من حيث الملاك ، كإزالة النجاسة عن المسجد بحيث كانت متعيّنةً عليه لعدم قدرة الوليّ الآخر بذلك - مثلًا - ولكنّه قادر على تجهيز أبيه ولكنّه يعصي فهل يتعيّن عليه ما عيّن له ، من جهة أنّ تجهيز الميّت الكفائيّ عارض ما عيّن له فتعيّن عليه وتعيّن التجهيز على أخيه - مثلًا - ولو لم يفعل ذلك أم لا بل يجب عليه في فرض عصيان الآخر القيام بالواجب الكفائيّ ؟ الظاهر هو الثاني ، لحكم العقل بمراعاة ما هو الأهمّ من غرض المولى .