تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وقد يورد على المشهور بل يشدّ عليهم النكير أنّ العبد المملوك الّذي لا يقدر على شيء بل ليس شيئاً بنفس ذاته وهو وكلّ ما هو واجدٌ ملكٌ طلقٌ للمولى بأقوى ما يتصوّر من المالكيّة كيف يتصوّر أن يستحقّ على المولى الثواب ! ، بل التفوّه بذلك ممّا لا يليق . لكنّ الإنصاف : عدم ورود الإيراد عليهم إن قلنا : إنّه ليس المراد من الاستحقاق هو مالكيّة العبد بل المراد أنّ الثواب المذكور مقتضى وجوبه وكماله وحكمته ، كما يقال : إنّه يجب عليه العدل ويجب عليه ترك عقوبة التارك للواجب اضطراراً أومن غير بيان ، فإنّه ليس المراد أنّ العبيد يستحقّون منه ذلك ( 1 ) كما يستحقّ الأجير الاجرةَ من المستأجر . فنقول : إنّه يجب عليه أن يثيب من عمل عملًا له وفي سبيله من باب أنّه عادل ، بل يحكم العقل بذلك حكماً قطعيّاً عند مزاحمة ذلك لملاك أقوى ، فإنّ التساوي بين المطيع وغيره حتّى في غير الواجبات من المستحبّات والمكروهات من غير مزاحم قبيح عند العقل كقبح الظلم وكقبح العقوبة من غير البيان . ومن ذلك يتولّد إشكال حتّى في قبح العقوبة من غير بيان بأنّ كون عدم البيان علّة تامّة لقبح العقوبة عليه تعالى غير واضح عند العقل ، فيمكن أن تحصل للنفس بواسطة المحرّمات الواقعيّة كدورةٌ لا ترتفع إلّا بالعقوبة ، لإمكان انحصار المطهّر بالعقوبة . وكيف كان ، فقد ظهر أنّ الأرجح أنّ الثواب بنحو الاستحقاق بالمعنى المذكور ، لكن إذا لم يزاحم ملاكاً آخر ، فالحكم بذلك لا يكون جزميّاً ، فحينئذٍ يشترك مع اختيار التفضّل في أنّ الحكم بحصول المثوبة وترتّبها على الواجب الغيريّ يحتاج إلى الدليل السمعيّ . فنقول في البحث الثاني بعونه تعالى وتوفيقه وتسديده : إنّ الثواب الّذي يمكن
شرح
( 1 ) فمعنى استحقاق المثوبة قبح ترك المثوبة من باب أنّه حكيم عادل . وأمّا استحقاق العبد للعقوبة فليس معناه قبح ترك العقوبة ، فإنّ تركها ليس قبيحاً عند العقل ، بل معناه عدم قبح العقوبة في مورد البيان والمعصية ، بخلاف مورد عدم البيان فإنّه يقبح أن يعاقب العبد كما هو المعروف ؛ فالعقاب من حيث إدراك العقل ينقسم إلى قسمين : ما يقبح وما لا يقبح . وليس مورد القبح منحصراً بوجود البيان على التكليف الوجوبيّ أو التحريميّ من جانب اللَّه تعالى ، فيمكن أن يقال بعدم قبح العقوبة على مثل الظلم ولو بالنسبة إلى من لم يقم عنده بيان ولو من جانب العقل على النهي عنه من جانبه تعالى ، بل ولو لم يكن عارفاً به تعالى .