تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وأمّا الأصل العمليّ فنقول :
شرح
المعروف بينهم ، فتأمّل ، فإنّ مقتضى الإنصاف صحّة التمسّك بالإطلاق لرفع الأوّل بأنّه إذا كان الحدود معلومة كما في سجدتي السهو لكن شرطيّته للصلاة كانت غير معلومة ولها أثر شرعيّ لبطلان الصلاة بدونها فلا بدّ أن يبيّنها الشارع ، فلا وجه لندرة كونه في مقام البيان ؛ وكذا الثاني ، فتظهر الثمرة في ما إذا علم الحدود من الخارج ولم يذكر الواجب في الدليل . وأمّا الثاني فلوضوح أنّ مفاد الهيئة هو المفهوم ، وإلّا كان استعمال الهيئة في موارد التعجيز والامتحان وغير ذلك ممّا ليست فيه الإرادة الحقيقيّة مجازاً ؛ مع أنّه لا مانع من تصوير الإطلاق والتقييد في وجود الطلب ، فإنّ الإرادة الموجودة في النفس من دون الارتباط بواجب آخر مطلقة - بمعنى سعة دائرتها - والموجودة في النفس المربوطة بالواجب الآخر مقيّدة ؛ وإن أبي عن ذلك فلا مانع من التقييدِ في جانب الواجب بمعنى تعلّق الوجوب به بما أنّه شرط لواجب آخر فيصير مقيّداً ، والإطلاقِ بأن يتعلّق به الوجوب من دون مقرونيّته بوصف الشرطيّة للواجب الآخر . وأمّا الثالث فما ذكره في معنى الإنشاء من أنّ « الوجود الإنشائيّ لكلّ شيء هو قصد حصول مفهومه بلفظه » ( 1 ) مدفوعٌ : أمّا أوّلًا فلأنّ إيجاد المفهوم ليس إلّا تصوّره ذهناً ، فالإنشاء إن كان كلّ إيجاد مفهوميّ مقرون باللفظ فاللازم أن يكون تصوّر زيد مع ذكر لفظه إنشاءً ، وإن كان الملاك أن يكون اللفظ موجدَ ذلك فهو أيضاً محال ، لأنّ إيجاد المفهوم الّذي هو الوجود الذهنيّ معلول لجهات أخرى ، وليس منها ذكر لفظه . وثانياً : يكون إيجاد المفهوم باللفظ محالًا ، لأنّ تصوّر اللفظ والمعنى حاصلان قبل الاستعمال ، فإيجاده باللفظ من قبيل تحصيل الحاصل . وثالثاً : لازم ذلك تطرّق الإنشاء إلى جميع الموجودات من الأعراض والجواهر بل والواجب تعالى ، وذلك ممّا يأبى عنه العقل والعقلاء . فالتحقيق - كما مرّ سابقاً - : تقوّم الإنشاء بالإيجادِ الخارجيّ حين الاستعمال كالنداء والدعاء والبعث الحاصل كلّ منها بذاك اللفظ ، أو الإيجادِ الاعتباريّ إذا فرض ذلك ، كالملكيّة والزوجيّة والرقّيّة والحرّيّة وغير ذلك . فمفاد الهيئة إمّا أن يكون هو البعث الاعتباريّ الّذي هو إيجاد اعتباريّ ، فهو قابل للتقييد والإطلاق ، أو الأعمّ منه ومن اللفظيّ الّذي هو أيضاً قابل للتقييد من حيث داعي الانبعاث والإضافة إلى الخارج ، فافهم وتأمّل . وأمّا ما قال : من « لابدّيّة الإتيان بالواجب إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطاً له فعليّاً في فرض عدم الإطلاق » ( 2 ) فهو واضح ، إلّا أنّ ظاهره عدم جريان البراءة من حيث تقيّد الواجب به ، وهو مورد للإشكال ، وقد فصّلنا القول في ذلك في المتن فراجع ( 3 ) وتأمّل . ومحصّله : أنّ الإتيان بهما معلوم الوجوب ، وإيجادُ وصف التقيّد في المحتمل شرطيّته له غير معلوم الوجوب والعقابُ من ناحيته عقاب بلا بيان ، فلو تركه وكان شرطاً لا يستحقّ العقوبة .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 138 . ( 2 ) كفاية الأصول : ص 138 . ( 3 ) ص 219 وما بعدها .
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 215 | الشيخ مرتضى الحائري