والجواب عنه بوجهين :
الأوّل : أنّه يكفي في وجود الوجوب الغيريّ وجود البعث والتحميل في المقدّمات الشرعيّة ، كالغَسل والغُسل والوضوء وغير ذلك ، وحملُ أدلّتها على الإرشاد إلى تقيّد الواجب بها خلاف الظاهر لا يصار إليه بغير وجه ، فإنّ التحميل فيها ليس بلغوٍ ، من جهة أنّ تقيّد الواجب بها كما يستفاد من الإرشاد كذلك يستفاد من التحميل والبعث .
الثاني : أنّه إذا كان الانبعاث إليها مقصوداً من التحميل والبعث نحو ذي المقدّمة فهو كافٍ في صدق الوجوب الغيريّ ، فتأمّل .
ثانيهما : أنّ جلّ الواجبات ( 1 ) تعلّق بها الوجوب بملاحظة بعض الفوائد المترتّبة عليها من حصول المعرفة ومزيد النورانيّة النفسانيّة ، فجلّ الواجبات إلّا ما شذّ وندر كمعرفة اللَّه تعالى واجبات غيريّة .
والجواب : أنّ كثيراً من الواجبات فوائد بنفسها ، كالعدل وإيتاء ذي القربى ، وهو لا ينافي اشتمالها على الفوائد المترتّبة عليها ؛ مع أنّه ظهر ممّا ذكرناه أنّ ملاك الوجوب ليس صِرفَ الإرادة بل هي بوصف التحميل ( 2 ) على المكلّفين ، والفوائد وإن كانت مورداً لإرادة المولى إلّا أنّها لم تقع مورداً لتحميله تعالى شأنه ، والواجب الغيريّ هو الواجب الّذي قصد به الوصول إلى متعلّق حكم آخر من وجوب أو تحريم .
فتحصّل أنّ إنكار الواجب الغيريّ على ما هو مقتضى الإشكال الأوّل وإنكار
شرح
( 1 ) بل يمكن أن يكون الكلّ من هذا القبيل ، لأنّه إمّا من باب أداء حقوق الحقّ المتعالي ، وإمّا من باب أداء حقوق الناس من الأرحام وغيرهم ، وإمّا لتكميل النفوس وصلاحيّتهم لنزول الرحمة الإلهيّة .
( 2 ) وعدم التحميل يمكن أن يكون لعدم قابليّة درك المراد الأصليّ ، كما في الطفل الّذي يذهب إلى المدرسة لأن يصير مجتهداً أو فيلسوفاً ؛ أو للغويّة البعث إليه لعدم درك طرقه ؛ أو لفساده للتطرّق إليه بزعمه الفاسد بطرق يبعّدها عن المقصد .
وهنا جواب ثالث وهو طروّ المصلحة النفسيّة بعد فرض وجود الملاك الطريقيّ أو بعد فرض تعلّق الإرادة الغيريّة ، بل لا يبعد دعوى حسنه النفسيّ مطلقاً ، فيمكن أن يكون التطرّق بالطرق الموصلة إلى الفوائد الاخرويّة ذا ملاك لزوميّ ، وهو العالم بالحقائق .