شرح
بذلك حين التلبّس ، فهو كأن يقال : « إنّ من آمن وعمل صالحاً في الدنيا فهو في الآخرة في جنّات النعيم » أو يقال : « المكتسب في أيّام شبابه يكون في مشيبه في الراحة » ، فليس الموضوع في جميع ذلك هو الحدوث ، بل الموضوع متعلّق للحكم حدوثاً وبقاءً كسائر القضايا ، فإذا انقضى الظلم انقضى الحكم وهو عدم النيل في المستقبل ، بل يتبدّل إلى الحكم بعدم التلبّس بالعهد الإلهيّ فعلًا من باب الحكم الاستقباليّ السابق ، فالاستدلال بالآية الشريفة خالٍ عن الإشكال .
وأمّا ما في الكفاية من تقسيمِ الأوصاف المأخوذة في الموضوعات إلى أقسام ثلاثة : منها ما يكون مشيراً إلى ما هو الموضوع حقيقةً ، ومنها ما يكون حدوثه موضوعاً للحكم ولو انقضى بنفسه ، ومنها ما يكون موضوعاً لها حدوثاً وبقاءً ، وأنّ الاستدلال يتمّ لو كان الأخذ على النحو الأخير ، ولا قرينة على أنّ أخذه في الحكم على النحو الأخير لو لم نقل بنهوضها على أنّه على النحو الثاني ، وذلك لجلالة قدر العهد الإلهيّ ، فالمناسب أن يكون حدوث الظلم كافياً لعدم التلبّس بذلك دائماً ، والإشكال بأنّ الظاهر أنّه استدلّ الإمام بما هو ظاهر الكلام وضعاً لا بقرينة المقام مجازاً ، والدفعِ بعدم استلزام الحمل على الثاني للمجازيّة ( 1 ) ، فموردٌ للمناقشة من وجوه :
أوّلًا : حكمه ابتداءً بأنّ العنوان المأخوذ في الموضوع مردّد بين أمور ثلاثة ولا قرينة على التعيّن ، إذ لا شبهة في أنّ الظاهر دخالة العنوان في الحكم حدوثاً وبقاءً ، فلو قال المولى : « يجب حفظ حقوق المؤمن واحترامه » أو « يجب إكرام العالم » أو « يجب الصيام في شهر رمضان » فلا ريب أنّ المستفاد من جميع ذلك دوران الحكم مدار ما اخذ في الموضوع حدوثاً وبقاءً بما هو متّصف بذلك العنوان لا من باب الإشارة إلى حقيقة أخرى .
وثانياً : على فرض تكافؤ الاحتمالات في الظهور فكيف ! يصحّ الاستدلال على الخصم الّذي لا بدّ أن يكون خالياً عن عناية التعبّد - كما هو واضح - وظاهره كفاية ذلك في الاستدلال ، إذ بصِرف التردّد لا يرتفع عنده الإشكال .
وثالثاً : دعواه قيام القرينة على كون العنوان مأخوذاً حدوثاً وأنّه وإن لم يكن دفع الإشكال منوطاً بذلك إلّا أنّ قيام القرينة متحقّق من جهة جلالة مقام الإمامة ، فإنّ كون ذلك قرينة عرفيّة موجبة للظهور ممنوع ، فإنّ صِرف الأقربيّة إلى جلالة مقام الإمامة والعهد الإلهيّ لا يقتضي الظهور في ذلك عند العرف . كيف ! وغير واحد من العرف بما هم عرف أنكروا لزوم العصمة في الإمام حين تلبّسه بذلك ، بل العرف يرى أنّ سبق الاتّصاف ما لم يكن موجباً لنقصان حين عدم الاتّصاف لا يكون دخيلًا في ترتّب الحكم المذكور في الآية الشريفة . نعم ، هنا جهات عقليّة تقتضي ذلك ، وهي غير الجهات العامّة العرفيّة الموجبة للظهور .
ورابعاً : أنّه على فرض قيام القرينة الموجبة للظهور فلا وقع بما ذكره في « إن قلت » من أنّ الظاهر الاستناد في الاستدلال إلى مقتضى الوضع ( 2 ) ، إذ من المعلوم أنّ الاستدلال غير مبنيّ إلّا على الظهور ، وتوقّفه على الظهور الوضعيّ بالخصوص لا وجه له .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 68 و 69 . ( 2 ) كفاية الأصول : ص 69 .