أنّ الأخبار الدالة على أنّ للقرآن بطونا سبعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فضلا عن جوازه ، ولكنّك غفلت عن أنّه لا دلالة لها أصلا على أنّ إرادتها كان من باب إرادة المعنى من اللفظ ، فلعلّه كان بإرادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ وإن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها .
شرح
وأمّا الدفع : فأنّه لا دلالة لتلك الأخبار على ذلك ؛ إذ لا دليل على أنّ المراد من البطون اللفظ في المعاني بل هناك احتمالات غير ذلك منها : أن يكون المراد إرادة البطون بالاستقلال من دون دلالة للفظ عليها حتى يكون من الاستعمال مثاله قوله تعالى :( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها )« 1 * » الآية فإنّه يمكن أن يكون المراد ما هو الظاهر من الآية وهو : نزول المطر من جهة العلوّ وامتلاء الأودية منه ، كما يمكن أن يكون المراد من الماء : العلم حيث أنّ به حياة الروح كما إنّ بالماء يكون حياة الأبدان فهو ينزل من قبل اللّه سبحانه لأنّه نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء ، فالمراد من الأودية : القلوب ؛ فأنّ كل قلب يعي من ذلك النور حسب استعداده كما ويمكن أن يكون المراد من الماء : الوجود ، فإنّ الفيّاض على الإطلاق يفيض الوجود على الماهية بمقدار استعدادها فلا يبعد أن يكون جميع الاحتمالات مرادا بالاستقلال من دون دلالة للفظ عليها .
ومنها : أن يكون المراد من البطون : اللوازم للمعنى بأن يكون للفظ مدلولا مطابقيا يكون اللفظ مستعملا فيه ويكون لذلك المدلول مداليل التزامية متعددة تكون عقولنا قاصرة عن درك تلك اللوازم وتكون جميعها مرادة من اللفظ ، ورجّح سيدنا الأستاذ : هذا الاحتمال لأنّ إرادة المعاني في أنفسها كما ذكر في
هامش
( 1 * ) الرعد : 17 .