ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلا انهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقهما الإرادة الأزلية ، والمشيئة الإلهية ، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار ؟ .
قلت : العقاب انما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما فان .
شرح
الأفعال الصادرة من الناس ( ولو كانا مسبوقين بإرادتهما ) واختيارهما ( إلا انهما منتهيان إلى ما لا ) يكون ( بالاختيار ) و ( كيف ) لا يكون كذلك ( وقد سبقهما الإرادة الأزلية ، والمشيئة الإلهية ، ومعه كيف تصح المؤاخذة ) والعقوبة ( على ما يكون بالأخرة بلا اختيار ؟ ) مع أن العقل قد استقل بقبح العقاب على أمر غير اختياري .
( قلت : العقاب انما يتبع الكفر والعصيان ) الصادرين من العبد ( التابعين للاختيار ) ولا يعتبر في صحة العقاب إلا كون الفعل اختياريا ، وقد عرفت انهما يصدران من العبد بالاختيار ( الناشئ عن مقدماته ) الاختيارية من الميل والشوق ونحوهما ( الناشئة ) في الكافر والعاصي عن ترجيح مشتهى النفس على حكم العقل . فان الانسان مركب من النفس الامارة بالسوء ، ومن العقل الآمر بالحسن ، فمن رجح مشتهى نفسه على عقله ، صدرت منه الشرور وشقى ، ومن اختار حكم عقله على مشتهى نفسه صدر منه الخير وسعد ، فإذا قيل : لم اختار الكافر الكفر ؟ يقال : لأنه رجح هوى نفسه كما وانه إذا قيل : لم اختار المؤمن الطاعة والايمان ؟ يقال : لأنه اختار هدى عقله ، فالكفر والعصيان لا يكونان ناشئين ( عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ) كما ذكره المصنف هنا ( فان ) كون السعادة والشقاوة من لوازم الذات جبر محض وقد قام الدليل على بطلانه كما سيأتي بيانه