مقدمة لكتاب آخر ، ولو سلم كون تدوينه بدعة فكون كل بدعة حراما ممنوع ؛ وإلّا لكان تدوين النحو والصرف أيضا بدعة ، وبالجملة فلا يظهر في عنادهم للأصول وتسمية ما بأيديهم دائما وعليه مدار استنباطاتهم أصولا وجه مصحح ، فليس منشؤه الا الجهل أو التوصل إلى المشتهيات ، أعاذنا اللّه وإياهم من شرور أنفسنا .
[ فصل في التخطئة والتصويب ، وتحرير محل النزاع ، وتصوير التصويب . ]
قوله : واختلفت في الشرعيات الخ ينبغي أولا تحرير محل النزاع ، فاعلم أنه قد تقدم سابقا ان الاجتهاد عند العامة عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي من الطرق الظنية والاستحسانات الوهمية والأقيسة والاستقراءات ، وعندنا عبارة عن استنباط الحكم الشرعي عن مداركه المعتبرة ، ثم إنهم قسموا الظن الحاصل لهم بالحكم الشرعي على قسمين أحدهما الظنون الحاصلة من الكتاب والسنة ، وثانيهما الظنون الحاصلة من الأقيسة والاستقراءات والاستحسانات .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم قائلون بالتخطئة في الأحكام العقلية وفي الأحكام الشرعية المستنبطة عن الكتاب والسنة ، وبالتصويب في الأحكام الشرعية المستنبطة عن مداركهم الوهمية ، فحينئذ لا يكون التعرض لأصل مسئلة التخطئة والتصويب بمهم ؛ إذ الذي يهمنا هو التعرض للاحكام المستنبطة عن الكتاب والسنة فإنهم موافقون معنا في التخطئة ، والذي يقولون فيه بالتصويب نحن بريئون عن العمل به ، هذا ومع الاغضاء عن ذلك وإرادة البحث عن تلك المسألة في نفسها ولو لم يكن له ثمرة عملية نقول : اتفقت كلمة أصحابنا على بطلان التصويب ؛ لما تواتر نقله من النبي والوصي صلى اللّه عليهم من أن لله في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل ، وبطلانه عقلا مطلقا أو في بعض صوره على تفصيل يأتي .
[ في بطلان التصويب باقسامه اما عقلا وشرعا ، واما شرعا . ]
قوله : ولا يخفى انه لا يكاد يعقل الاجتهاد الخ ان كان مرادهم من التصويب هو خلو الواقعة عن الحكم بجميع مراتبه حتى مرتبة الاقتضاء والانشاء وتوقفه على قيام ظن المجتهد به فهو غير معقول ؛ ضرورة ان الاجتهاد والفحص عن الشيء يتوقف على وجوده واقعا فما لم يكن شيء لا يعقل الفحص عنه ؛ إذ