بجواز التقليد فيها فلا بد حينئذ من رجوع آخر وهكذا ويلزم التسلسل ومنه ظهر ان المقابل للتسلسل هو مفسدة الدور لا نفسه فافهم .
وبالتأمل فيما ذكرناه يتضح لك المنع عن التقليد في جواز التقليد من طرق شتّى وتعابير مختلفة كتوقف الشيء على نفسه أو تقدم الشيء على نفسه أو الدور أو التسلسل فتأمل جيّدا . بقي شيء وهو انّ الظاهر كون البداهة وحكم الفطرة وما شاكل ذلك مما هو طريق بنفسه إلى جواز التقليد للعامي ، لا ربط له بما هو دليل للمجتهد ، وان كان التعبير بانّ عقل العامي يحكم بالجواز جبلّيا فطريا فان ظاهر التعبير بالعقل هنا ما يحكم به العامي بنحو البتّ والجدّ دون حكم العقل الذي هو أحد الأدلة الأربعة للمجتهد الذي هو حجة من حجج الملك العلام . فالدليل العقلي شيء آخر يبتني على مباني وأصول مسلّمة ما وراء ما ذكر من البداهة وكون الحكم جبليا فطريا .
ولذا قال في المتن صريحا بعد دعوى البداهة والحكم الجبلي الفطري لا يحتاج إلى دليل ، وعليه فحكم العقل أو بناء العقلاء من جملة الأدلة للمجتهد خاصة . ويشهد لما ذكرنا ما أفاده في المنتهى حيث قال : التكلم في وجوب التقليد يقع في موردين تارة بالنسبة إلى نفس العامي وأخرى بالنسبة إلى المجتهدين ثم جعل ما يحكم به عقل العامي بنحو البتّ فطريا للأول وهو العامي ، كما جعل بناء العقلاء وسائر الأدلة الواردة من الآيات والأخبار للثاني وهو المجتهد .
ومما ذكرنا يظهر ضعف وقع في العناية من الخلط في المقام فإنه بعد التعرض لما هو الطريق إلى جواز التقليد من البداهة وحكم الفطرة دون التقليد ما نصّه : ثم هل المراد من كون جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم بديهيا جبليا فطريا انّ جواز التقليد مما استقر عليه بناء العقلاء وقد جرى عليه ديدنهم أو انّ جواز التقليد مما استقل به العقل وحكم به اللب مقتضى ما تقدم منه في الموضع الثالث من مواضع
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 244
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص٢٤٤