يشرع فالفحص عنه فحص عن المعدوم ، ويستحيل حصول الظن الاجتهادي بحكم مع القطع بعدمه واقعا كما هو المفروض الّا ان يراد التصويب إشارة إلى النحو الثالث المتقدم آنفا ، وهو ان الحكم له مرتبتان : مرتبة الانشاء الذي يشترك فيه العالم والجاهل والمستنبط وغيره وهو الثابت واقعا ، ومرتبة الفعلية وهو الوصول إلى الحكم الانشائي ان اتفق ، الّا انه لا يراد من هذه المرتبة الّا ما أدى اليه ظن المجتهد وان كان على خلاف ما أنشأ أولا على نحو الاشتراك بين الكل ، فليس الفعلية على ما هو شأنها من الوصول إلى الحكم الانشائي المذكور بل بالنسبة إلى ما أنشأ بحسب ما أدى اليه ظن المجتهد واستقر عليه رأيه ، فالتصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي على وجه أنشأ حكما آخر على وفق الذي أدى اليه ظن المجتهد ، فيكون هذا فعليا من دون أن يكون الحكم الانشائي السابق فعليا وانّ المجتهد وان كان يتفحص عما هو الحكم واقعا وانشاء الّا ان ما أدى اليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة سواء طابق الواقع الأولي أم لم يطابقه وهو أي ما أدى اليه اجتهاد المجتهد مما يختلف باختلاف الآراء ضرورة كما نرى من اختلاف المجتهدين .
ولا يشترك فيه الجاهل والعالم بداهة لأن الجاهل ليس له ظن اجتهادي ، وبعبارة أخرى : المفروض ان المخالف للواقع انما حكم من وصل اجتهاده إلى ذلك لا بالنسبة إلى كل أحد . وربما يمثل لذلك توضيحا انه قد يكون شرب التتن ( التدخين ) في الواقع حراما انشائيا ، فإذا وصل رأي المجتهد اليه صار حراما فعليا وإذا أنتج اجتهاده الحليّة أنشأ اللّه تعالى حليّته في الواقع للتتن بالنسبة إلى هذا المجتهد ، وان كان الحكم الواقعي الأولي للتتن وهو الحرمة على حاله ، ومرجعه إلى النحو الثاني من السببية .
وما يشتركان فيه أي الذي يشترك الجاهل والعالم فيه من الحكم الانشائي قبل اجتهاد المجتهد فمصداق ( ما ) الموصولة الحكم الانشائي الذي يتفحص عنه
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 175
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص١٧٥