شرح
في الأزل لم يكن حكما مجعولا ، ولكنه عند الشك في التكليف هو حكم مجعول شرعا ، نظرا إلى كون أمر بقائه ورفعه بيد الشارع فعلا كما هو الحال في وجود التكليف عينا ، وكما إذا فرضنا أن اليد كانت نجسة قبل الظهر مثلا ، ولم يكن لها أثر شرعي لعدم وجود الصلاة مثلا في ذلك الوقت ولا شيء آخر مما يعتبر فيه الطهارة ، ثم شككنا بعد الظهر في طهارتها ، وللنجاسة أثر شرعي بقاء وهو عدم جواز الدخول في الصلاة . ثم محل الكلام هو الاحتمال الثاني ؛ إذ ربما يتوهم عدم جريان الاستصحاب فيه ، ولعل الوجه فيه هو أن الاستصحاب عبارة عن الإبقاء الشرعي بضميمة أن مرجعه إلى جعل الحكم المماثل ، وهذا لا يصح إلّا إذا كان المتيقن حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم شرعي ثبوتا ؛ وإلّا لم يكن الحكم المجعول في مقام الشك إبقاء شرعيا للمتيقن .
لكن هذا التوهم فاسد عند المصنف « قدس سره » .
وجه فساده : أنه لم يؤخذ في دليل الاستصحاب هذا العنوان - أعني : عنوان الإبقاء - بل المأخوذ فيه هو عدم النقض عملا .
ومعاملة المتيقن السابق معاملة الباقي لاحقا . وهذا لا يستلزم أكثر من كون المتيقن بقاء حكما شرعيا أو ذا حكم شرعي . ويكون المجعول حكما مماثلا للمشكوك على تقدير وجوده واقعا ، ولا يعتبر أن يكون كذلك حدوثا ؛ لعدم تكفل الدليل للإبقاء بل للأمر بالعمل في مقام الشك عمل الباقي واقعا . هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح دفع المصنف للتوهم المذكور .
فالمتحصل : أنه لا يجب في المستصحب أن يكون حكما فعليا أو ذا أثر شرعي حال اليقين ؛ بل كونه ذا أثر حال الشك كان كافيا في إجراء الاستصحاب ، فمثلا : لو شك في بلوغ زيد ، فإن استصحاب عدم التكليف بالنسبة إليه جار وإن كان قبل البلوغ لا أثر شرعي بالنسبة إلى زيد ؛ إذ ليس داخلا في موضوع التكليف حتى يكون لليقين السابق أثر شرعي .
وكذلك إذا وقع مال لزيد في البحر ، ثم أخرج جري استصحاب ملكيته له ، وإن كان في حال كونه في البحر مأيوسا منه لا أثر شرعي لملكيته إيّاه ؛ لكنه حيث يكون في حال الشك ذا أثر من جواز تصرفه وحرمة تصرف غيره جرى الاستصحاب .
توضيح بعض العبارات طبقا لما في « منتهى الدراية » .