شرح
ذكر في تقريب الاستدلال بحديث الرفع ، بمعنى : أن المراد من الموصول في « ما حجب الله » عاما يعم كل محجوب ، سواء كان حكما أو هوية الموضوع ، وليس حديث الحجب مقرونا بشيء يوهم اختصاصه بالشبهة الموضوعية ، بخلاف حديث الرفع فإن قرينة السياق كانت موجبة للشك في عموميته .
نعم ؛ يمكن أن يقال : إن حديث الحجب على عكس حديث الرفع ، بمعنى : أن حديث الرفع بقرينة وحدة السياق ظاهر في الشبهة الموضوعية . وحديث الحجب بقرينة إسناد الحجب إلى الله تعالى ظاهر في الشبهة الحكمية ، فإنه يتناسب مع إرادة الحكم الكلي المجهول من الموصول كما لا يخفى .
هذا مجمل الكلام في الاستدلال بحديث الحجب على البراءة .
وأما تفصيل الكلام في توضيح الاستدلال به على البراءة فيتوقف على مقدمة وهي :
شرح مفردات الحديث ، وهي الحجب ، والعلم ، والوضع .
أما الحجب : فهو لغة بمعنى : الشر ، والمحجوب هنا هو الحكم الشرعي المجهول لا الملاكات والمقتضيات ، حيث إن وظيفة الشارع من حيث إنه شارع بيان الأحكام ، وحجب الحكم يتحقق تارة : بأمره حجبه بعدم تبليغه إلى العباد ، وأخرى باختفائه عنهم بعد تبليغه لمعصية العصاة المانعة عن وصوله إلى المكلفين .
وأما العلم : فالمراد به حيث يطلق في الروايات وغيرها هو : الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ؛ لا كل اعتقاد جازم وإن كان مخطئا .
وأما كلمة « وضع » : فإن تعدت بحرف الاستعلاء : دلت على جعل شيء على شيء وإثباته عليه ، وإن تعدت بحرف المجاوزة : دلت على معنى الإسقاط ؛ كقوله تعالى :وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ« 1 » أي : أسقطها عنهم ، ومن المعلوم : أن إسقاط شيء كالحق عن الذمة فرع استقراره فيها .
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن تقريب الاستدلال بالحديث على البراءة من الوضوح على حد لا يخفى على أحد ، حيث إنه يدل على أن الحكم الواقعي المجهول قد وضعه الشارع عن العباد ورفعه عنهم فعلا ، فيكون المراد بحجبه : عدم وصوله ، سواء كان بعدم بيانه أم بإخفاء الظالمين له ، ومن الواضح : إن المرفوع ليس نفس الحكم الواقعي المجهول ؛ لاستلزامه التصويب ، فلا بد أن يكون الموضوع عن العباد إيجاب الاحتياط ،
هامش
( 1 ) الأعراف : 157 .