شرح
ثانيهما : خلو الواقع عن الحكم ، والمفروض : بطلانهما ، أما بطلان الأول : فلما قلنا :
من عدم استتباع حجية الأمارة للحكم الشرعي .
وأما بطلان الثاني : فلوضوح : أن لكل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل . هذا تمام الكلام في منع الصغرى .
وأما منع الكبرى - وهي ما أشار إليه بقوله : - « أو غير باطل » فحاصله : أن تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة وإن كان يلزم من التعبد بالأمارة عند مخالفتها للواقع ، إلا إنه لا محذور فيه ، ولا يكون باطلا ؛ لأنه مع وجود المصلحة في التعبد بالأمارة يتدارك المصلحة الواقعية الفائتة ، أو المفسدة الملقى فيها ، نعم ؛ إذا لم يكن في التعبد بالأمارة مصلحة يتدارك بها المصلحة الفائتة أو المفسدة الملقى فيها كان المحذور المتقدم لازما .
وكيف كان ؛ فقد ذكر المصنف وجوها ثلاثة للتخلص عن المحاذير المتقدمة .
الوجه الأول : أن المجعول في مورد التعبد بالأمارة ليس حكما شرعيا تكليفيا ؛ بل المجعول هو الحجية من دون أن يكون هناك أيّ حكم ظاهري مجعول في موردها ، وأثر ذلك هو التنجيز والتعذير ، وعليه : فليس لدينا وجوبان - مثلا - أو وجوب وحرمة ولا مصلحة ولا مفسدة ولا إرادة وكراهة ؛ كي يلزم ما تقدم من المحذور الخطابي والملاكي معا ، أو المحذور الخطابي فقط ، أو الملاكي كذلك .
وأما محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة : فيرتفع بوجود مصلحة في التعبد غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء في المفسدة .
الوجه الثاني : أنه لو التزم بوجود حكم ظاهري تكليفي في موارد الأمارات ؛ إما بدعوى استتباع جعل الحجية لذلك ، أو بدعوى إنه لا معنى لجعل الحجية إلا جعل الحكم التكليفي ، بمعنى : أنها منتزعة عن الحكم التكليفي الظاهري ، فلا محذور أيضا وإن اجتمع الحكمان ، وذلك لأن الحكم الظاهري حكم طريقي ، بمعنى : أنه ناشئ عن مصلحة في نفسه أوجبت إنشاءه المستلزم للتنجيز والتعذير . والحكم الواقعي حكم فعلي ناشئ عن مصلحة في متعلقه .
ونظرا إلى اختلاف مركز المصلحتين في الحكمين لا يلزم اجتماع المثلين ولا اجتماع الضدين ؛ لأن تضاد الحكمين من جهة تضاد مبدئهما وهو الإرادة والكراهة والمصلحة والمفسدة ، والمفروض : أن ما فيه المصلحة في الحكم الظاهري نفس الحكم لا المتعلق الذي فيه المفسدة الموجبة للحكم الواقعي ، فمركز المصلحة والمفسدة مختلف ، وباختلافه