دروس في الكفاية — صفحة 73
قلت ( 1 ) : فيه أن الإرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي ، كما تتعلق بأمر حالي ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلا عن فاضل ، ضرورة : أن تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات - فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المئونة - ليس إلّا لأجل تعلق إرادته به ، وكونه مريدا له قاصدا إيّاه لا يكاد يحمله على التحمل إلّا ذلك ، ولعل الذي أوقعه ( 2 ) في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكد المحرك وبعبارة أخرى : كما أن الإرادة التكوينية لا تنفك عن الحركة نحو الفعل ، كذلك الإرادة التشريعية لا تنفك عن حركة الغير إلى الفعل والتعليق ؛ حيث إن الايجاب فيه حالي ، والحركة نحو الفعل استقبالية فهو باطل لاستلزامه انفكاك الإرادة عن المراد . إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك امتناع الواجب المعلق ؛ لما عرفت في المقدمة من استلزامه انفكاك المراد عن الإرادة ؛ لكون المراد فيه متأخرا زمانا عن الإرادة ؛ إذ المفروض : استقبالية الواجب ، وفعلية الوجوب ويستحيل انفكاك الوجوب عن الواجب بأن يكون الوجوب فعليا والواجب استقباليا فيكون من قبيل تخلف المعلول عن العلة وهو ممتنع . ( 1 ) أجاب المصنف عن إشكال بعض أهل النظر على الواجب المعلق بوجوه : الوجه الأول من الجواب : ما أشار إليه بقوله : « فيه أن الإرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي كما تتعلق بأمر حالي » . وتوضيح ذلك يتوقف على مقدمة وهي : أن المستشكل - وهو بعض أهل النظر - قد قاس الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية بعدم انفكاك المراد عن الإرادة . إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن المصنف أنكر امتناع انفكاك الإرادة التكوينية - التي هي المقيس عليها عن المراد - فقال : بعدم امتناع تعلق الإرادة التكوينية بأمر استقبالي فيما إذا كان المراد بعيد المسافة ، ومما يحتاج إلى مقدمات كثيرة محتاجة إلى زمان طويل ؛ كطي المسافات ونحوه ، فإن إتعاب النفس في تحصيلها ليس إلّا لأجل تعلق إرادته بما لا يحصل إلّا بها ؛ فإن السفر المحتاج إلى المقدمات إنما هو للوصول إلى المراد وهو : تحصيل المال مثلا مع انفكاكه عن الإرادة - لأن فعل هذه المقدمات لا يكون له إرادة استقلالية - بل إرادة المقدمات تبعية مترشحة عن إرادة ذيها . وكيف كان ؛ فالإرادة التكوينية تنفك عن مراداتنا المنوطة بتمهيد مقدمات ومضي زمان . ( 2 ) أي : أوقع بعض أهل النظر من أهل العصر في الغلط .