وبذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان ؟ والمطيع والمؤمن الإطاعة والإيمان ؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا ؟ والإنسان لم يكون ناطقا ؟ .
وبالجملة : تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى والبعد عنه ، سبب لاختلافها في استحقاق الجنة ودرجاتها ، والنار ودركاتها ، [ وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدم نيلها ] ، وتفاوتها في ذلك بالأخرة يكون ذاتيا ، والذاتي لا يعلل .
إن قلت : على هذا ، فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار .
قلت : ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربه أنسه ، ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، قال اللّه تبارك وتعالى :
شرح
يكون موضوع حكم العقل بالحسن والقبح هو ما يكون موضوعا للحكم الشرعي في التحرير الأول .
إذا عرفت ذلك فاعلم انّه وان كان كلّ منهما ممكنا إلا انّه لم يكن دليل على انّ مقطوع الوجوب واجب بعنوان انّه مقطوع الوجوب ، وكذلك مقطوع الحرمة ، بل يمكن القطع بأنه لم يرد من الشرع في ذلك خبر ولا أثر ، فالنزاع الأوّل يسقط عن الاعتبار ، وينحصر النزاع في الثاني ، والتحقيق فيه على ما أفاده السيّد الأستاذ هو انّ العقل حاكم مستقلّ باستحقاق العقاب بلا إشكال وارتياب ، وانّما الكلام في مناط حكمه ، هل هو الحسن الطاري على المقطوع وجوبه باعتبار تعلّق القطع به ، وكذلك القبح العارض على المقطوعة حرمته باعتبار القطع بها ، كما توهمه بعض وليس بصحيح ، ضرورة انّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه من الحسن والقبح بسبب القطع ، وعلى هذا فالفعل المتجرّى به لا يصير حسنا ولا قبيحا ، بل يكون باقيا على الحال الّذي كان عليه من دون ان يحدث القطع فيه شيئا .