وثانيا : إنه إنما المراد بتصديقه للمؤمنين ، هو ترتيب خصوص الآثار التي تنفعهم ولا تضر غيرهم ، لا التصديق بترتيب جميع الآثار ، كما هو المطلوب في باب حجية الخبر ، ويظهر ذلك من تصديقه للنمّام بأنه ما نمه ، وتصديقه للّه تعالى بأنه نمّه ، كما هو المراد من التصديق في قوله عليه السلام : ( فصدقه وكذبهم ) ، حيث قال - على ما في الخبر - : ( يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولا ، وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذّبهم ) فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرّهم ، وتكذيبهم فيما يضرّه ولا ينفعهم ، وإلا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين ؟ وهكذا المراد بتصديق المؤمنين في قصة إسماعيل ، فتأمل جيدا .
شرح
وثانيا : انّ تصديق المؤمنين في كلّ ما أخبروا به ينافي كونه صلى اللّه عليه وآله وسلّم اذن خير بقول مطلق ، فانّ التصديق بطريق العموم كثيرا ما يقتضي الضرر على غير المخبر ، بل عليه أيضا ، فلا تدلّ على حجيّة الخبر مطلقا ، كما لا يخفى .
وثالثا : انّ تصديقه صلى اللّه عليه وآله وسلّم إيّاهم ليس في الأحكام قطعا ، بل كان في الموضوعات الشرعيّة كالقتل والزنا والمعاملات ، أو العرفيّة ، فعلى الأوّل معلوم انّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يعمل بإخبارهم فيها إلّا ان تبلغ حدّ البينة ، فلا تدلّ على حجيّة خبر الواحد ، بل تدلّ على حجيّة البينة ، وعلى الثاني لا تدلّ على شيء ، بل يستفاد منها انّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان من أخلاقه الشريفة عدم ردع المؤمنين في اخبارهم مسامحة وملاطفة .
وما ذكره المصنّف قدّس سرّه في مقام الجواب ، من حمل الآية على كون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم سريع القطع لا في مقام الأخذ بقول الغير تعبّدا ، بعيد غاية البعد ، فانّ سريع القطع ليس ممدوحا . .