. . . . . . . . . .
شرح
أنّه يحكم العقل بصحّته من دون جعل من الواضع ، ويمكن أن يراد ما يكون الاستعمال عليه من الملاحة بالطبع أي بالذات ، ومرجعه إلى الأوّل .
وهذا الاختيار وإن كان واضحا عندي بعد ما اخترناه سابقا من عدم الوضع ، لكن لم يتبيّن فيه ملاك الملاحة في بعض الاستعمالات وعدمها في آخر ، وأنّه ما السبب فيهما .
والتحقيق أنّ استعمال اللفظ في المعاني المجازيّة في أيّ لغة كان إنّما هو بتوسط الاستعمال في المعاني الحقيقية ، لا بأن يستعمل اللفظ في المعنيين في عرض واحد ، بل يستعمل اللفظ في الموضوع له ، ويدّعى المتكلّم اتّحاده مع غير الموضوع له بنفس هذا الاستعمال ، وينصب القرينة على أنّ المراد الجدّي هو غير الموضوع له ، وأنّ استعمال اللفظ في الموضوع له إنّما هو بدعوى الاتحاد وعدم التغاير ، فاللفظ جعل في الكلام بحذاء الموضوع له مع أنّ المراد الجدّي المتعلّق بالنفي والإثبات جدّاً هو غير الموضوع له بدعوى أنّه هو وليس غيره ، فالمتكلم بالكلام الواحد إذا استعمل لفظا مجازا كأنّه تكلّم بكلامين وأخبر بأمرين :
أحدهما ثبوت الحكم المذكور في الكلام للمراد الجدّي من اللفظ المذكور في الموضوع .
والثاني كونه بحيث يمكن أن يدّعي اتحاده مع الموضوع له .
ففي قولك : ( جاء الأسد ) كأنك أخبرت بأمرين : مجيء زيد ، وكونه شجاعا ، بخلاف قولك : ( جاء زيد ) ، وهذا هو السرّ في كون المجاز غالبا أملح ، وأكثر فائدة من الحقيقة .
ولعلك إذا تأمّلت المجازات ، وأمعنت النّظر في كيفيّة انتقال الذهن من الألفاظ إلى المعاني المجازيّة ، لم يبق لك شكّ في أنّ انتقال الذهن إليها إنّما هو