قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار ، لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية ، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار ، وإلا لزم تخلف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
شرح
وكون الطلب مقتضيا لانبعاث كل أحد ، وان كان يمنع عن التأثير ما في نفس العاصي ، يكفي في دخول العاصي في المكلفين ، وترتيب آثار التكليف عليه شرعا وعقلا ، وبعبارة أخرى عدم تأثير الطلب في نفس العاصي مع كونه مقتضيا لذلك لا يخرجه عن سلسلة المكلفين ، وان كانت الإرادة الجدّية باعتبار سوء اختيار المكلّف قاصرة .
والثاني وهو لزوم تعلق الإرادة بغير المقدور أيضا مدفوع بما ذكرناه آنفا من أن امتناع الفعل بسوء الاختيار لا يخرجه عن الاختيار ، وملاك المحالية مفقود في المقام كما يظهر بالتأمل التام ، ضرورة انّه عبارة عن تعلّق التكليف بما لا يمكن إتيانه في الخارج وان كان المكلف مريدا لإتيانه وإيجاده في الخارج ، وذلك مفقود في المقام ، فانّه مع إرادته يكون مقدورا ، وانّما يمتنع باعتبار عدم تعلّق إرادة المكلّف .
والثالث ، وهو لزوم التزاحم بين الجهة التي يكون الفعل بها متعلقا للإرادة التكوينية وبين الجهة التي يكون بها الفعل الكذائي متعلقا للإرادة التشريعية أيضا مدفوع بأنّ الفعل الكذائي ليست فيه إلّا جهة واحدة ، وهي المصلحة فيما يكون مأمورا به ، والمفسدة فيما يكون منهيا عنه ، ولا تكون فيه جهة أخرى يكون بها داخلا في سلسلة الممكنات ونظامها حتى يقع التزاحم بينهما وبالجملة الفعل الكذائي الّذي يقع موردا للتكليف ليس له دخل في النظام لا وجودا ولا عدما بحيث لولاهما لاختلّ النظام وان كانت مصلحة للمكلّف ، غاية الأمر انّ وجوده الّذي اختاره المطيع وعدمه الّذي اختاره العاصي كان ممّا علمه اللّه بعلمه الأزلي .