يستصحب بقاء الطهارة ، فيقال : إنه قبل خروج المذي كان المكلف على طهارة فإذا شكّ الآن استصحبها ، ولكن هذا قابل للمعارضة باستصحاب آخر ، وذلك بأن نقول : نحن نشكّ هل جعل الشارع الوضوء سببا للطهارة حتّى بعد خروج المذي أو لا ؟ فنستصحب عدم جعل السببيّة المذكورة ، إذ قبل تحقّق التشريع الإسلامي لم تجعل الشريعة الوضوء سببا للطهارة قبل خروج المذي ، كما أنه لم تجعله سببا لها بعد خروجه ، إذ المفروض أنه لا تشريع ولا شريعة ، فإذا شكّ بعد مجيء الإسلام في أن الشرع هل شرّع سببية الوضوء للطهارة بعد خروج المذي - والمفروض أنه قد شرّعها قبل خروجه جزما - فنستصحب عدم التشريع الثابت سابقا .
وهكذا لو فرض أن النجاسة قد أصابت ثوبا ما مثلا ، وشككنا هل أن التنجّس يزول بالغسل مرة واحدة أو يحتاج إلى غسلين فإذا فرض أنّا غسلنا مرة وشككنا في بقاء التنجّس استصحبنا بقاءه ، أي بقاء التنجس ، إن هذا هو المعروف ، ولكن يمكن أن يستشكل في ذلك ويقال : إن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب آخر ، حيث نشكّ أن اللّه سبحانه هل جعل ملاقاة الثوب للنجاسة سببا للتّنجس حتّى بعد الغسل مرة واحدة أو لا - بعد فرض أنه قد جعلها جزما سببا للتّنجس قبل الغسل مرة واحدة - فنستصحب عدم تشريع السببيّة الثابت سابقا .
وعلى هذا المنوال نقول في بقية الأمثلة الأخرى .
ثمّ قال قدّس سرّه : إن هذه المعارضة لا تجري في الموضوعات الخارجية ، كالليل والنهار مثلا ، فإذا شككنا في بقاء النهار استصحبناه ، ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم الجعل بالمقدار الزائد ، فإن النهار ليس من الأمور المجعولة شرعا حتّى يصحّ إجراء الأصل المذكور .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 193
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص١٩٣