وبكلمة أخرى : نحن حكمنا على الفعل بالإباحة الشرعية لقاعدة كل شيء لك حلال ، وحكمنا على الترك بالإباحة الشرعية أيضا لقاعدة كل شيء لك حلال ، والآن نقول : هل يمكن الحكم على الفعل - وهكذا على الترك - بالبراءة العقلية ، يعني بقاعدة قبح العقاب بلا بيان مضافا إلى الإباحة الشرعية ؟ وأجاب قدّس سرّه بالنفي ، فلا يمكن تطبيق البراءة العقلية بل الذي يمكن تطبيقه هو البراءة الشرعية فقط .
وما هو الفارق بين البراءتين ؟
إن الفارق هو أن الموضوع في البراءة الشرعية هو عدم العلم - حيث يقول الحديث : رفع ما لا يعلمون - ومن الواضح أن عدم العلم متحقّق بلحاظ الوجوب فيكون مرفوعا ، وهكذا هو متحقّق بلحاظ الحرمة فتكون مرفوعة ، وهذا بخلافه في البراءة العقلية ، فإن موضوعها هو عدم البيان - حيث يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان - ويمكن أن يقال : إن البيان متحقّق بلحاظ الوجوب وهكذا بلحاظ الحرمة ، فإن العلم الإجمالي بيان ، ولا يختص البيان في نظر العقل بخصوص العلم التفصيلي .
وإذا سألت وقلت : إن البيان إذا كان متحقّقا فلما ذا لا يثبت التنجّز ؟ والجواب : أنه لا يثبت ، لا لقصور في البيان ، بل لأن الموافقة القطعية غير ممكنة ، إذ الجمع بين الفعل والترك غير ممكن ، وهكذا المخالفة القطعية غير ممكنة ، والموافقة الاحتمالية التي تتحقّق بفعل أحدهما متحقّقة بشكل قهري .
وبهذا اتّضح أن الاحتمال الخامس الذي بنى عليه الشيخ المصنف هو مركّب من دعاوى ثلاث لا اثنتين .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 447
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٤٤٧