ثمّ بعد هذا نقول : إن المناسب بعد هذا العلم الإجمالي وجوب الاحتياط في جميع الوقائع ، بأن نأتي بكل شيء نحتمل وجوبه ونترك كل شيء نحتمل حرمته ولو كانت درجة الاحتمال ( 30 % ) أو ( 20 % ) ، ولكن حيث إن هذا يوجب العسر والحرج فالمناسب في مقام الجمع بين قاعدة وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي وقاعدة نفي العسر والحرج هو التبعيض في الاحتياط ، وذلك بفعله في المظنونات وتركه في المشكوكات والموهومات ، فإذا ظنّنا بحرمة التدخين مثلا احتطنا بالترك ، وإذا ظنّنا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال احتطنا بالفعل ، أما إذا شككنا في الحرمة فلا يجب الاحتياط بالترك ، وهكذا لو شككنا في الوجوب فلا يجب الاحتياط بالفعل ، وهكذا لو احتملنا الوجوب بدرجة موهومة - أي بدرجة ( 30 % ) - فلا يجب الاحتياط بالفعل ، وهكذا لو احتملنا الحرمة بدرجة موهومة فلا يجب الاحتياط بالترك .
إذن التبعيض في الاحتياط بشكله المقبول يتحقّق بما ذكرنا ، وأما بغير ذلك ، بأن نترك الاحتياط في بعض المظنونات ونحتاط في بعض الموهومات والمشكوكات فهو أمر بعيد مرفوض إجماعا .
وإذا وجب الاحتياط بفعل المظنون عند الظن بالوجوب أو بترك المظنون عند الظن بالحرمة فهذا عبارة أخرى عن لزوم الأخذ بالظن وكونه حجة .
ويردّه : أن هذا عبارة أخرى عن التمسّك بدليل الانسداد ، غايته بذكر بعض مقدماته وليس بذكر جميعها ، وهو بحاجة في تماميته إلى ضمّ بقية مقدماته ، فإن ضمت كان نفس دليل الانسداد الآتي في الوجه الرابع إن شاء اللّه تعالى وليس شيئا يغايره ، وإن لم تضم لم يتم في حدّ نفسه .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 280
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢٨٠