الأولى أن الأخذ بأحد الطرفين أمر لازم ، يعني يلزم الأخذ إما بالطرف المظنون أو بالطرف الآخر ، أما إذا قيل لا يلزم الأخذ بأحد الطرفين بل يجوز تركهما معا لو أمكن - وذلك بناء على عدم وجوب امتثال الأحكام الشرعية وأن حكم الإنسان حكم البهائم في عدم توجّه تكليف إليه أو عدم وجوب امتثاله عليه - فلا يتمّ هذا الوجه من الأساس . وهكذا يلزم أن نقول : إن الجمع بين الطرفين أمر غير لازم ، لأن الجمع بينهما - الذي هو عبارة أخرى عن الاحتياط إما غير ممكن عقلا أو غير واجب شرعا ، إنه لو تمّ كلّ هذا يحصل الدوران بين لزوم الأخذ إما بالطرف المظنون أو بالطرف الآخر ، أما لو لم يتمّ كل هذا فلا يتمّ هذا الوجه ، إذ يمكن أن يقال آنذاك بأن اللازم هو الأخذ بالعلم أو بالعلمي أو بالاحتياط أو بالبراءة أو بالقرعة أو بالاستصحاب حسب اختلاف الموارد والأشخاص ، فلا بدّ من إبطال هذه الاحتمالات أوّلا ، بأن يقال : إنّنا نعلم بوجود تكاليف ونعلم بلزوم امتثالها ، وإن باب العلم والعلمي بها منسد ، والاحتياط غير واجب ، والبراءة لا تجري لفرض وجود العلم الإجمالي ، إنه بعد إبطال جميع هذه الاحتمالات يتحقّق الدوران بين الأخذ بالطرف المظنون أو بالطرف الآخر وإلّا فلا يحصل هذا الدوران ولا يتحتّم الأخذ بالطرف المظنون .
[ الدليل الثالث : ]
الوجه الثالث : وهو ما نقل عن السيد بحر العلوم الملقّب بالسيد الطباطبائي ، « 1 » وحاصله : أنّنا نجزم باشتمال الشريعة المقدسة الإسلاميّة على مجموعة واجبات ومحرّمات في مجموع الوقائع التي نواجهها ، فحتما بعض الوقائع - كالتدخين أو الدعاء عند رؤية الهلال أو . . . - واجب ، وحتما بعضها حرام ، ولا يحتمل أن جميعها مباح .
هامش
( 1 ) ويحتمل أن يكون المقصود من السيد الطباطبائي السيد محمّد المجاهد صاحب المناهل .