وحين جواز ترك المقدمة ، فإن جواز ترك السفر من دون تركه بالفعل لا يوجب المحذورين المتقدمين ، فالمكلف إذا جاز له ترك السفر ولكنه لم يتركه ، بل أتى به فلا يلزم محذور التكليف بما لا يطاق ولا محذور سقوط الوجوب بلا مبرر .
وبعد هذين الاصلاحين أخذ قدّس سرّه بالجواب وذكر ما حاصله : إنه ذكر في المقدمة الأولى أن السفر إذا لم يجب لجاز تركه - أي لم يمنع من تركه شرعا - ونحن نسأل ما ذا يراد من جواز الترك فهل المقصود لجاز تركه شرعا فقط أو أن المقصود لجاز تركه شرعا وعقلا ؟
فإن كان المقصود هو الأوّل فنلتزم آنذاك بالمحذور الثاني ، أو بالأحرى لا نرى محذورا في الالتزام به ، إذ مع جواز ترك السفر شرعا وعدم المنع منه يبقى حكم العقل بلزوم الإتيان به على حاله ، فالعقل يحكم بضرورة الإتيان به حتّى يدرك الحج ، ومع حكم العقل المذكور لو فرض أن المكلف ترك السفر إلى أن حلّ وقت الحج ولم يمكنه الذهاب كان عاصيا وكان سقوط وجوب الحج سقوطا بسبب العصيان ، إذ كان يمكنه أداء الحج ولكنه عجّز نفسه بسوء اختياره ، والالتزام بسقوط الأمر بسبب العصيان أمر لا محذور فيه ، وإنما المحذور في سقوطه بلا مبرر ، ولذا قيل : إن الحكم يسقط بالامتثال مرة وبالعصيان أخرى .
هذا إذا كان المقصود هو الأوّل .
وإن كان المقصود هو الثاني فلا نسلّم بالمقدمة الأولى ، أي لا نسلّم أنه لو لم تجب المقدمة لم يكن منع من تركها شرعا ولا عقلا ، بل ندّعي وجود منع من تركها عقلا وإن لم يكن منع شرعا ، فإن العقل يحكم بضرورة الإتيان بها لكي لا يتحقق ترك الواجب ، فهو يرشد إلى وجوبها .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 286
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٢٨٦