تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
المعنى وإنما هو ايجاد المعنى باللفظ ، فماهية الكتاب مثلا إذا أريد تفهيمها للطرف المقابل فتارة تفهّم من خلال إحضار نفس الكتاب والإشارة إليه ، وهذا تفهيم الشيء باحضاره بنفسه ، وأخرى تفهّم من خلال اللفظ ، فيقال : كتاب ، فإنه بقولنا : كتاب ، نكون قد أحضرنا المعنى وأوجدناه ، فالاستعمال إذن ايجاد المعنى باللفظ . ويبقى كيف صار لفظ الكتاب هو الموجد لمعنى الكتاب دون غيره من الألفاظ ودون بقية الأشياء غير الألفاظ ؟ أنه لا بدّ من وجود نكتة معينة هي التي اقتضت ذلك ، وما هي تلك النكتة ؟ إن النكتة هي أن لفظ الكتاب قد اعتبره الواضع وجها ومرآة وعنوانا لذات الكتاب ، بل أكثر من ذلك ، أنه اعتبره عين ذات الكتاب ونفسها ، ولذلك نلاحظ أن قبح المعاني يسري إلى الألفاظ ، فإنه إذا لم يعتبر اللفظ نفس المعنى لما سرى قبح أحدهما إلى الآخر . وينبغي الالتفات إلى أن اللفظ حينما يعتبر وجها وعنوانا للمعنى فلازمه أن اللفظ في مقام الاستعمال يلحظ فانيا في المعنى - أي يكون الملحوظ استقلالا هو المعنى ، وأما اللفظ فيكون مغفولا عنه وغير ملحوظ بنحو الاستقلال بل بالتبع - فإن ذلك هو لازم كون الشيء وجها ومرآة للشيء الآخر ، كما هو الحال في المرآة ، فإن لازم كونها مرآة أن يكون الملحوظ استقلالا حين النظر إليها هو الصورة المنعكسة فيها دون نفس المرآة ، بل هي مغفول عنها ، ولذلك لا يلتفت الناظر إلى طولها وعرضها وسائر صفاتها حينما ينظر إلى صورته فيها . وملخّص المقدمة المذكورة أن الاستعمال عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ ، وذلك لا يتم إلّا بجعل اللفظ وجها للمعنى بل نفسه ، ويترتب
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 257 | الشيخ محمد باقر الإيرواني