تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
الوحيد لتنمية فضائل الثبات والمثابرة التي بدونها لا يستطيع الانسان بلوغ الكمال الخلقي . فما لم تحدق بالمرء من أقطاره جميعا عقبات غامرة ، وما لم يبتل بضروب الشدائد المبرّحة ، فإنه لن يقوى على التخلّق بهاتين السجيّتين . ومن هنا ، فأن البلايا التي تصيب أمثال هؤلاء الناس هي ، في الواقع ، نعم مقنّعة ، مقصود بها أن تفضي إلى تهذيبهم الخلقي . وهناك ، فوق هذا وذاك ، هدف ثالث مراد . ذلك بأن اللّه الكلّي القدرة يريد ان يوقع في نفوس البشر ان النبتة التي تتعهدها اليد الإلهية ، مهما بدت هزيلة ، قادرة على أن تصمد في وجه أشرس هبّات الريح المعادية . ووفقا لهذا الناموس الإلهي ، تعيّن على الرسول وصحابته ان يقاسوا على أيدي المكيين محنا لا تعدّ ولا تحصى . في البدء ، اتخذت معارضة المكيين لرسالة الاسلام شكل السخرية من الرسول والهزء به . إنهم لم يقيموا للحركة كبير وزن ، متوهمين انها سوف تموت ، في الوقت المناسب ، ميتة طبيعية . لقد وقفوا منها موقف اللامبالاة والازدراء ، وكأنها غير جديرة بأيّ اهتمام جدي . إنّ كل ما لقيه المؤمنون من إساآت المكيين ، في تلك الأيام ، لم يعد السخرية المزدرية . كان اللجوء إلى العنف لا يزال ، في اعتقادهم ، أمرا لا ضرورة له . فكانوا إذا مرّوا بالمؤمنين ضحكوا وتغامزوا ، هزؤا وسخرية . * وفي بعض الأحيان كانوا يزعمون أنه حالم متبطّل ، نزّاع إلى نظم الشعر الركيك المضطرب ، ولا بدان يهلك عما قريب . * *
هامش
( * ) « إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ . وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ . فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . » ( السورة 83 ، الآيات 30 - 34 ) ( * * ) « فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ . أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . » ( السورة 52 ، الآية 29 - 30 )