الأعمى نفسه للدعوة المحمدية ؛ ذلك بأن القرآن كان ناموس حياة يستطيع البسطاء من الناس ان يرتفعوا بفضله إلى الصعيد الاعلى . ولقد نصحت الرسول أيضا بأن لا يعلق أهمية كبيرة على العظماء من الرجال . فقد كان رسوخ الاسلام مرهونا بالفقراء والضعفاء الذين سوف يتحقّقون هم أنفسهم بالمجد بفضل نضالهم من أجل نصرة قضيته . والواقع أن هذه كانت هي الحكمة الإلهية الكامنة وراء الحقيقة القائلة بأن العنصر الأضعف من أهل مكة هم الذين رحبوا أكثر من غيرهم بالهدي الاسلامي . لقد أريد بهم أن يكونوا دليلا ملموسا على أن في استطاعة العاديين من الناس ، تؤيدهم روح اللّه ، ان ينجزوا ما يعجز عن فعله أشد الناس قوة وأعزّهم نفرا . ونحن نعلم علم اليقين ، في ضوء التاريخ ، ان الاسلام لم يمكّن طبقة الضعفاء والمرذولين هذه نفسها من تقلّد صولجان الملكية فحسب ، بل عدا ذلك إلى رفعهم في الوقت نفسه إلى اسمى مراتب الاخلاق ، والفن ، والعلم ، والفلسفة ، وإلى جعلهم حملة مشعال المعرفة في عصر كان العالم غارقا خلاله في ظلمات الجهالة .
أليس في هذا أعظم شاهد على مقدرة التعاليم الاسلامية على النهوض بالناس ورفعهم [ من درك المذلة إلى قمة المجد ؟ ] .
وحادثة الرجل الأعمى ، على تفاهتها ، تلقي فيضا من النور على مشكلة ذات خطر عظيم . إنها تزوّدنا بما نستطيع أن نقرر على ضوئه أمرا في قضية طالما اختلف فيها العلماء وتنازعوا ، أعني طبيعة الوحي الإلهي الذي قدّر للرسول أن يتلقّاه . هل كان صوتا نابعا من قلب الرسول نفسه ، أم كان رسالة مستقبلة من مصدر خارجي ؟ إن الآيات التي نزلت بعيد لا مبالاة الرسول بالرجل الكفيف تنهض دليلا على أنه لا يمكن بأية حال ان يكون ثمرة عمل باطني قام به عقل الرسول نفسه . فقوامها لوم الهي للرسول لإعراضه عن الأعمى . وليس يطيق أيما امرئ ان نعرض اخطاؤه على أنظار الخاص والعام ، إذا استطاع اجتناب ذلك ، مهما
حياة محمد ورسالته — صفحة 81
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٨١