تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وهكذا وفدوا عليه في الميقات المضروب ، فتمّ تسريح ستة آلاف أسير بفضل شفاعة الرسول . والواقع انها حادثة يعزّ نظيرها في تاريخ العالم كله . أن يغدق الرسول مثل هذه المعاملة الكريمة على وفد من الوثنيين ، وأن يستشفع المسلمين لمصلحة المشركين ! حتى مناظير التحيز النصراني المضلّلة تعجز عن تقديم تفسير لتحرير هؤلاء الأسرى الستة الآلاف من غير اشتراط الدخول في الاسلام . وإنه لمن المؤلم جدا ان نرى من كان تجسيدا للرحمة ورقّة القلب يصوّر وكأنه قاتل متعطش للدماء ، القرآن في احدى يديه وسيف متدل من يده الأخرى لكي يضرب به رأس من يتردد في الايمان بالكتاب ! وبعد قسمة الغنيمة أغدق الرسول الأعطيات على بعض الزعماء القرشيين والبدو من حصة الخزانة العامة . فكان في ذلك ما أثار بعض الدمدمات المكبوحة بين بعض الشبان من الأنصار . لقد تذمروا قائلين ان الرسول حابى عشيرته في توزيع الغنائم . وفي ميسور المرء ، بسهولة ان يتخيّل بأية طريقة لا تعرف الرحمة كان خليقا بأحد الحكام المستبدين أن يعالج هذه الوقاحة . ولكن الرسول دعا الأنصار وحدثهم في لطف بالغ قائلا : « يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم وجبدة وجدتموها في أنفسكم ؟ » وإذ كانوا قد نشّئوا في ظل سلطان الرسول الأدبي فقد وجدوا الجرأة على إنبائه بالحقيقة الصريحة ، معترفين بأن فريقا منهم كان يتحدث بمحاباة الرسول زعماء قريش . عندئذ قال لهم الرسول : « ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه ، وعالة فأغناكم اللّه ، وأعداء فألّف بين قلوبكم ؟ » فأجابه الأنصار : « بلى ، اللّه ورسوله أمن وأفضل . » فتابع الرسول : « اما واللّه لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتكم : أتيتنا مكذّبا فصدّقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وعائلا فآسيناك . يا معشر الأنصار ! أوجدتم في لعاعة
حياة محمد ورسالته — صفحة 216 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي