ينوء بها قومه . فأي جواب كان يجدر بفاتح من أعرق الفاتحين في المدينة ان يكون ؟ كان خليقا بذلك الفاتح ان يقول شيئا كهذا : « انا أدرك مصاعبكم ، ولكن الأوان الآن قد فات . لقد كان قمينا بكم أن تفكروا في ذلك قبل ان تقدموا على الإغارة علينا لكي تسحقوا قوتنا .
ولو أنكم كسبتم أنتم المعركة اذن لعاملتمونا على نحو أسوأ . » أليس هذا هو الجواب النموذجي الذي تردّ به توسّلات عدوّ مهزوم في عهود الحضارة هذه ؟ ولكن فؤاد الرسول كان مفرغا في قالب أكثر نبلا .
كانت رحمته لا تعرف حدودا . وكان من حق العدو ان يطمع في رأفة الرسول السابغة كما يطمع فيها أيما كائن بشري آخر . فقد كان من دأب فؤاد الرسول أن يتفطر حزنا لأضأل مشهد من مشاهد البؤس البشري . فكيف يطيق صبرا على رؤية الآلاف يجرعون كأس الألم ؟
ومن هنا سارع إلى اطلاق سراح الاسرى الذين اتفق ان كانوا من نصيبه ونصيب أسرته . ولكنه قال إنه لا يستطيع ان يتعرض لحقوق الآخرين ، وان في ميسور هؤلاء ان يتخلوا عن نصيبهم من الأسرى إذا شاؤوا .
يا له من مثل رائع على المساواة في الحقوق البشرية ! وليس من ريب في أن أولئك الذين ضحّوا ، في ابتهاج ، بثروتهم ، وبممتلكاتهم ، بل حتى بأرواحهم ، من أجله لن يحلموا البتة بأن يضنّوا عليه بهذا الفضل : فضل تسريح أسراهم تسريحا شاملا . ولكنه ما كان للرسول الذي جاء ليعزز المساواة بين البشر ، أن يعتدي على حق الآخرين في ممارسة حقوقهم بحرية كاملة . إن الملك ، أو الأمير ، لا حق له - في الاسلام - على ممتلكات الفرد . ولكن قلب الرسول ، في الوقت نفسه ، يقطر ألما ، في حنايا صدره ، بسبب من أولئك القوم الذين ألمّ بهم بلاء عظيم . كان شديد التوق إلى مساعدتهم على الخروج من محنتهم .
ولقد سألهم أن يفدوا كرة أخرى ، قبيل صلاة العصر ، وعندئذ يعرض مطالبهم على الجماعة الاسلامية ، ويسألها أن تنظر فيه بعين العطف .
حياة محمد ورسالته — صفحة 215
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٢١٥