وإبلهم وانقضوا على العدو الزاحف انقضاضا مسعورا جعله لا يقوى على الثبات في وجههم . ففرّ فريق ، وقاوم فريق فترة من الوقت يسيرة . حتى إذا صرع حامل رايتهم ولّوا هم أيضا الأدبار .
وكان قائد هوازن ، مالك [ بن عوف النّصريّ ] ، وهو شاب متهور في الثلاثين من عمره ، قد أمر النساء والأطفال بمرافقة قواته .
لقد خيّل اليه ان وجودهم سوف يبقي معنويات رجاله قوية ، ويحول بينهم - إذا ما أصابتهم محنة - وبين الانقلاب على أعقابهم . بيد انهم سرعان ما غادروا كل شيء : نساءهم وأطفالهم وأنعامهم وولّوا الأدبار .
فإذا بالغنيمة التي غنمها المسلمون تتألف من أربعة وعشرين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية من الفضة . ليس هذا فحسب ، بل لقد أسر المسلمون ستة آلاف مقاتل منهم . وبعد ان نقل الجيش الاسلامي تلك الغنائم إلى مكان آمن ، واصل زحفه . وكان فريق من الجيش المهزوم قد فزع إلى معقله في أوطاس ، فبعث الرسول حفنة من المسلمين إلى هناك لكي يشتّتوهم . أما الجمهرة العظمى من أفراد ذلك الجيش فاحتموا ضمن أسوار الطائف الحصينة ذات الشرفات . كانوا بارعين في صناعة الحرب ، متمرسين باصطناع الأسلحة الحديثة ، كالمنجنيق وغيره .
وكانوا قد ادّخروا أيضا ضمن الاسوار مؤنا تكفيهم عاما كاملا ، وأقاموا حاميات قوية حولها . واندفع الرسول بقواته إلى هناك ، مباشرة ، وألقى الحصار على البلدة . وبمساعدة بعض القبائل وفّق الجيش الاسلامي أيضا إلى اصطناع الأسلحة الجديدة . وتطاول الحصار . وأخيرا شاور الرسول أصحابه في الأمر . وأبدى أحد زعماء الأعراب المجرّبين ملاحظة هامة فقال : « إنما ثقيف في حصنها كالثعلب في جحره ، لا سبيل إلى اخراجه منه إلا بطول المكث . فأن تركته لم يلحقك منه ضرّ . » وإذ استيقن الرسول ان العدوّ لم يعد قادرا على إنزال أيما أذى بالمسلمين ، أمر برفع الحصار عن الطائف ، ذلك بأن وقاية الاسلام
حياة محمد ورسالته — صفحة 212
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٢١٢