أن تجاربهم في الماضي أقنعتهم بصدق الوحي . كان تاريخ الاسلام مفعما ، حتى تلك الفترة ، بأحداث مماثلة .
والحق ان الأيام أثبتت ان صلح الحديبية كان هو انتصار الاسلام أيضا . يدلك على ذلك ان الرسول ، حين وفد على مكة بعد عام ونصف عام ، رافقه عشرة آلاف من صحابته بدلا من الف وأربعمئة وهو عدد من كان معه زمن ذلك الصلح . فكيف نعلل هذا الازدياد العظيم في عدد المسلمين ؟ الواقع ان حالة الحرب التي سادت حتى ذلك الحين بين المسلمين والمشركين كانت قد أقامت بينهما برزخا عريضا . كان الحقد العام على الاسلام قد حال بين العرب وبين الامتزاج بالمسلمين ، ومن هنا لم تتح لهم أيما فرصة للاحتكاك بالمسلمين ، والتعرّف إلى الفضائل الاسلامية . فإذا بصلح الحديبية يعقد ما بين الفريقين - للمرة الأولى منذ انبثاق الحركة الاسلامية ، ولمدة من الزمن غير يسيرة - جسرا على ذلك البرزخ القديم . لقد أتاح ذلك للمشركين فرصة التفكير الهادئ في فضائل الاسلام الفطرية . فأدركوا كيف هذّب جميع أولئك الذين تأثروا بسلطان الرسول الأخلاقي ورفعوا إلى صعيد أسمى . إن من طبيعة النفس البشرية أن يعمى المرء عن رؤية محاسن من يضمر لهم العداء ولو في أوهن أشكاله . وكان العرب قد عقدوا العزم على إبادة الاسلام ، فهم في وضع لا يساعدهم على أن يقدروا تعاليم الاسلام حق قدرها .
أما وقد أزبل ذلك الحاجز الآن ، واستؤنف الاتصال السويّ بالمسلمين فقد أمسوا في مركز يمكّنهم من أن يدرسوا أخلاق المسلمين وعاداتهم .
لقد تلاشت جميع انطباعاتهم الخاطئة عن الرسول ، تلك الانطباعات التي خلقتها العداوة والبغضاء . وأدركوا بأنفسهم أنه لم يكن براغب في قطع صلة الرحم ولا بمثير للشقاق أو متاجر به ، كما توهموا من قبل .
لقد تجلّى لهم الآن نبل طبيعته وجمال أخلاقه . وأدركوا انهم كانوا ضحية التمويه والتضليل ، وان شخصية الرسول كانت أسمى بكثير مما
حياة محمد ورسالته — صفحة 187
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٨٧