تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
ولكن ما كانت ، على أية حال ، ثمرة الصلح الذي بدا مذلا حتى في أعين المسلمين أنفسهم ؟ هل وضع حدا لدخول الناس في الدين ، في مكة ؟ لقد كان خليقا بذلك الصلح ، وفقا لكل منطق بشريّ ، أن يفضي إلى ذلك . ذلك بأنه كان برهانا جديدا على عجز المسلمين وقلة حيلتهم . كان في ميسور الداخلين في الدين ، حتى ذلك الحين ، ان يعتمدوا على العون يأتيهم من اخوانهم المسلمين في المدينة . ولكن المسلمين حرموا ، بحكم شروط الصلح ، حقّهم في نجدة معتنقي الدين الجديد ، الذين كانوا في قبضة ظالميهم ومضطهديهم . ليس هذا فحسب ، بل لقد أمسوا عاجزين عن إيواء هؤلاء المؤمنين الجدد إذا ما وفّقوا للفرار بأنفسهم إلى المدينة . إنه لعزاء عظيم للمرء أن يجد نفسه ، في أيام المحنة ، بين فريق من أصدقائه ، برغم ان أولئك الأصدقاء أنفسهم قد لا يكونون في حال أفضل . إنه لمما يسريّ عن النفس أن يكون معهم في مركب واحد ، كما يقولون . ولكن حتى مصدر السلوان الأخير هذا أنكره صلح الحديبية على الداخلين حديثا في الاسلام . فكيف يجد امرؤ في نفسه الجرأة ، في ظل تلك الأحوال ، على اعتناق الاسلام ؟ كان المسلم يخضع ، في موطنه [ مكة ] ، لضروب من العذاب رهيبة ، ولكنه لم يعدّ يطمع في أن ينعم ، الآن ، في المدينة نفسها ، بحال أفضل . إن ما أصاب أبا جندل لا يزال ماثلا في أذهان القوم ، وخليق به ان يوهن عزيمة أكثر الناس حماسة . والواقع ان مثل هذا الوضع كان ينبغي أن يضع حدا لتقدّم الاسلام . ولكن أليس مما يروع المراقب ان يكون الضياء الاسلامي قد انتشر - على عكس ذلك - في هذه الفترة بالذات بسرعة تبلغ عشرة أضعاف سرعته السابقة ؟ فما هو اذن الاستنتاج المنطقي الوحيد ؟ إنه ليس شيئا أكثر من هذا : إن قيمة الاسلام الجوهرية لترجح رجحانا عظيما شبح التعذيب والاضطهاد
حياة محمد ورسالته — صفحة 190 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي