ثم إن اليهود استسلموا ، وطلبوا أن يبقيهم الرسول على أراضيهم شرط أن يقدّموا إلى المسلمين نصف ثمرها . فأجابهم الرسول إلى ما طلبوا ، وأجاز لهم الاحتفاظ بأراضيهم ، برغم ثقته من أنهم لن يحجموا عن انزال الأذى بالمسلمين [ حين تتاح لهم الفرصة ] . وبعيد عقد هذه التسوية مباشرة ، ائتمر زعماء اليهود بالرسول * ، وحرّضوا زينب [ بنت ] الحارث [ بن أبي زينب ] ، وكانت زوجة [ سلّام بن مشكم ] الذي قتل في المعركة ، على أن تدعو الرسول إلى طعام مسموم . ولكن العناية الإلهية أشعرت الرسول بما بيّت له من غدر ، فلم يكد [ يلوك مضغة من الشاة المسمومة ] حتى لفظها [ وهو يقول :
« إن هذا العظم ليخبرني انه مسموم » ] ، في حين أساغ أحد أصحابه ، بشر بن البراء ، ما طعم من الشاة وازدرده فمات من اثر السمّ .
والحق أن المسلمين عاملوا بني النّضير بعد ذلك معاملة سمحة ، ولكن ما فطروا عليه من غدر ونزوع إلى الأذى جعلهم في نجوة من التأثر بتلك المعاملة السمحة ، فلم تنطفئ في قلوبهم نار العداوة للاسلام .
لقد ظلوا مصدر ازعاج للمسلمين سرمديّ ، فلم يكفّوا يوما عن التآمر عليهم وعن ايذائهم على نحو خسيس . ولقد واصلوا مؤامرانهم تلك حتى خلافة عمر بن الخطاب . وذات يوم قذفوا بابن عمر نفسه ، عبد اللّه ، من سطح بيت من البيوت . وإذ أثبتت الأيام اخفاق كل محاولة من المحاولات التي قام بها المسلمون لتألّفهم ، نفوهم آخر الأمر إلى بلاد الشام .
بيد ان الرسول حاسن يهود خيبر وعاملهم معاملة رحيمة . لقد بذل قصارى جهده لتألّفهم . وكان خليقا بالمحاولة التي قاموا بها لتسميمه أن تبرّر اتخاذ أقسى الاجراآت ضد الشعب اليهودي كله .
ولكنه كان شديد الحرص على أن يراهم متحدين مع المسلمين برباط
هامش
( * ) ائتمروا به : هموا به وأمر بعضهم بعضا بقتله