خنق أضأل الخطر في مهده . فإذا ما نمي إليهم أن ثمة بلاء يفرخ في ناحية ما ، وأن المدينة عرضة لهجوم ما ، سارعوا إلى توجيه كوكبة من الرجال لمعالجة الخطر قبل استفحاله . وهكذا كانوا يتلافون ، بمجرد الوقاية العاجلة ، ما كان خليقا به ان يفضي إلى إضرام نار الحرب على نحو رهيب . إن بعض النقاد المتعصبين على الاسلام يرمونه بتهمة الانتشار بحد السيف . وهو زعم يتنافى تنافيا كليا مع الحقيقة والواقع .
فهداية الناس إلى الاسلام لم تتمّ ، في أيما يوم من الأيام ، من طريق السيف . ولم يسجل التاريخ حادثة واحدة كان فيها إسلام أيما امرئ ثمرة من ثمرات الحملات العسكرية . والحق أن الرسول كان يعيّن - ابتغاء نشر الدين - مبشرين أعدّوا خصيصا لهذا الغرض . فكان من دأب هؤلاء الفقهاء الذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب أن ينشروا نور الاسلام في أوساط القبائل على اختلافها . وكان بعض ذوي الغدر يدعون هؤلاء المعلمين بحجة رغبتهم في التفقّه في تعاليم الاسلام ، حتى إذا أمسوا تحت رحمتهم عمدوا إلى قتلهم في غير ما شفقة . وقد حدث مثل هذا الصنيع البربري الغادر في بئر معونة [ بين ارض بني عامر وحرّة بني سليم ] ، في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة . وتفصيل ذلك أن ابا براء [ عامر بن مالك ملاعب الأسنّة ] زعيم بني عامر وبني سليم وفد على الرسول حاملا بعض الهدايا ، وسأله أن يوجّه بعض المعلمين إلى قومه لعلهم يقبلون رسالة الاسلام . فرفض الرسول الهدايا ، وقال إنه يخشى غدر أهل نجد . ولكن ابا براء قال : « انا لهم جار ، [ فابعثهم فليدعوا إلى امرك . وكان أبو براء رجلا مسموع الكلمة في قومه لا يخاف من أجاره عادية أحد عليه ] فوافق الرسول آخر الأمر على أن يرسل معه سبعين * من خيار المعلمين المسلمين . حتى إذا بلغوا مكانا يعرف ب « بئر معونة » وجدوا أنفسهم بين أشداق جيش كبير .
هامش
( * ) في المصادر الأخرى أنه أرسل أربعين من هؤلاء المعلمين فقط . ( المعرب )