تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
كان تثقيف الشعب الأخلاقي والروحي هو ، من غير ريب ، هدف الرسول الأوحد . ولم تكن الحرب لتشكّل جزآ من برنامج حياته . ولم يكن في الامكان تحقيق هذا الهدف العظيم إلا على أيدي تلك العصبة الصغيرة النبيلة التي كان قد أعدّها لهذا الغرض . أما وقد تعرّض للخطر حتى وجود أولئك الذين عقدوا النية على وقف أنفسهم لتطهير الانسانية روحيا ، أفلا يكون من واجبه أن يتخذ جميع الاجراآت الممكنة لحمايتهم ؟ كانت مصلحة المثل الأعلى الذي رفعه أمامه تدعو إلى القيام بعمل حازم . وإلى هذا ، فقد كان الرسول زعيم الجماعة الصغيرة ، وكان - بوصفه هذا - مسؤولا عن سرّائهم وضرّائهم . إن مركزه كزعيم لهم كان يفرض عليه السهر على مصلحة شعبه . وفي هذه الناحية أيضا كان مثلا يحتذيه أولئك الذين أسندت إليهم مقاليد الحكم والسيطرة على الآخرين . وكما أظهر ذلك النموذج الكامل للجنس البشري * ، يتعين على الزعيم ان لا يقبل منصبه لمجرد التمتع بالامتيازات التي يتيحها له ، بل إن عليه أيضا أن يواجه المسؤوليات الشاقة التي يفرضها . إن واجبه الأخلاقي ليقتضيه ان يفكر في الأساليب والطرائق التي تمكّنه من الدفاع عن شعبه ضد العدوان ، وان يتخذ التدابير التي تكفل مصلحتهم . ولو لم يكن للرسول غير هذه المأثرة الباهرة اذن لكانت كافية لأن تبوّئه مركزا فريدا في تاريخ البشرية . لقد وجد شعبه محاطا ، من أقطاره جميعا ، بأعداء ألدّاء . كان وجودهم كله يتأرجح ، ليل نهار ، في الميزان . ولقد وفّق ، ببعد نظره وتضحيته بنفسه ، إلى انقاذهم من جميع الأخطار ؛ وتمكينهم من الفوز بأكليل النجاح . إن إنشاء أمة ما ، يعتبر في جملة الاعمال العظيمة في التاريخ الانساني ، وليس للعقبات الضخام التي ذلّلها الرسول لإنشاء أمة عظيمة نظير في حوليات بناء الأمم .
هامش
( * ) يقصد الرسول . ( المعرب )