الضرورة تقضي ، في تلك الظروف ، أن يفوز بمعلومات دقيقة عن خطط قريش وتحرّكاتها . وكانت الحاجة ماسّة إلى إقامة علاقات ودّية مع مختلف القبائل البدوية النازلة في جوار المدينة . وتحقيقا لهذين الغرضين وجّه الرسول زمرا استطلاعية صغيرة لمراقبة حركات العدوّ ،
وللاتصال ببعض القبائل ضمانا لحيادها . ومن يدري ، فقد يكون خليقا بمثل هذا التدبير الوقائي أن يفضي إلى كبح نيّات العدوّ العدوانية . كان على هذا العدو ان يدرك ان المسلمين غير غافلين ، وعندئذ يفكّر مرتين قبل أن يخطو أية خطوة مشؤومة . وخليق بهذا أيضا أن يثير مخاوف القرشيين على تجارتهم الشامية التي كانت قوام ازدهارهم الاقتصادي كله . فقد كان في موقع المدينة ، على طريق التجارة من مكة إلى الشام ، ما يعرّض قوافلهم لخطر عظيم في حال توتّر العلاقات بينهم وبين المسلمين . وكان المسلمون يرجون أن يكون ذلك فعالا في تعطيل نيات عدوّهم العدوانية ولو مؤقتا . ولقد كان هذا بالذات هو جوهر التحذير الذي وجّهه سعد بن معاذ [ الأشهليّ ] ، وهو من الأنصار ، إلى القرشيين في موسم من مواسم الحج . فقد توعّده أبو جهل بأنه لو لم يكن في حمى رجل بعينه لما نجا من الموت ، فردّ عليه سعد بقوله إن طريق التجارة المكية إلى الشام سوف تعترض إذا ما حيل بين المسلمين وبين أداء فريضة الحج . وهكذا أوعز إلى الزّمر الاستطلاعية أن تجتنب الاستفزاز وكل ما يثير النزاع .
وأدّت المفاوضات المشار إليها آنفا إلى تفاهم عدد من القبائل المجاورة مع المسلمين ، على الرغم من أنها كانت تعبد الأوثان كالمكيين سواء بسواء . وهذه العهود كانت ، كما ينبغي أن نلاحظ ، ذات صفة دفاعية خالصة . فقد نصّ العهد الذي عقدة الرسول مع بني حمزة على أن أرواحهم وممتلكاتهم سوف تكون آمنة ، وانه إذا ما هاجمهم عدوّ ما سارع المسلمون إلى نصرتهم ، إلّا أن تكون حربا دينية . وانهم سوف
حياة محمد ورسالته — صفحة 134
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٣٤