الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحلّ عليّ سخطك .
لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ! »
ألا ليت كان ثمة في بعض الصدور البشرية قلب رقيق لكي يدرك صفاء الروح التي أطلقت العنان لمشاعر في مثل هذا السموّ كله ، وسط ظروف في مثل هذه القسوة كلها ! وهل يتصور العقل ان في ميسور دجال من الدجالين ان يصدر قلبه عن هذه الأحاسيس النبيلة إلى هذا الحدّ ، وبخاصة حين يعبّر عنها بعد معاناة هذا البلاء العظيم مباشرة ؟
يا للهدوء الأعجوبيّ الذي احتمل به كل هذه المشاق التي لا يطيقها ابن انسان على وجه الأرض البتة ! أجل ، لقد احتمل ، بثبات مذهل ، جميع تلك المصاعب التي كان خليقا بها ان تغري أيما امرئ آخر بالانتحار . أيّ ايمان راسخ باللّه كان ايمانه ، واي اذعان بهيج للمشيئة الإلهية كان اذعانه ، وأيّ سعادة روحية محضة كانت سعادته ! إن هذه كلها ، كذلك قال ، لم تكن شيئا مذكورا ما دام يتمتّع برضا اللّه وارتياحه .
وما هي غير أيام قليلة حتى انقلب إلى مكة بعد أن تعهّد المطعم ابن عديّ بأن يمنعه من عدوّه . وهناك ارتقب أن يرشده الوحي الإلهي إلى السبيل التي يحسن به أن يسلكها : أيهاجر من مكة أم يقيم فيها ؟ حتى إذا دخل الناس في موسم الحج ، عرض نفسه على كلّ قبيلة من القبائل التي تقاطرت إلى هناك من أقطار بلاد العرب جميعا ، [ يدعوها إلى الحق ، ويخبرها انه نبي مرسل ويسألها ان تصدّقه ] .
ولكنه كان كلما خاطب جماعة منهم ، شارحا لها المبادئ الاسلامية ، تبعه أبو لهب ، سائلا الناس ان لا يصدّقوه ، لأنه مبتدع يريد الإطاحة بسلطان « اللات » و « العزّى » الروحي . وهكذا لم يوفّق إلى إثارة اهتمام القوم إلّا قليلا . وردّته بعض القبائل ردا قبيحا . ولكنه لم ييأس . وعبّرت إحدى القبائل عن إعجابها بتعاليمه ، ولكنها
حياة محمد ورسالته — صفحة 107
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٠٧