تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
رأسه وتذرف الدمع ، في الوقت نفسه ، جزعا على أبيها الحبيب من هذا البلاء . فواساها الرسول قائلا : « لا تبكي يا بنيّة ، فأن اللّه مانع أباك ! » إلى هذا الحد كان ايمانه بنجاح رسالته النهائي راسخ الجذور ، في وجه هذه المعارضة العنيدة ! ولم تراوده في أيما لحظة فكرة الشخوص ، مثل سائر صحابته ، إلى الحبشة حيث كان خليقا به ان يجد مفزعا آمنا . ولم يخامره اليأس ، لحظة واحدة ، من اخراج الأرض التي ولد عليها من الظلمات إلى النور . فقد كان على مثل اليقين من أن الجزيرة سوف تدرك ، ذات يوم ، حقيقة الاسلام ، إن عينه استطاعت ، برغم ما اكتنفه من ضباب الاحداث الموئسة ، أن تلمح شعاع أمل . كان الايمان بأن أعداءه الألداء سوف يصبحون ، ذات يوم ، أصدقاءه المتفانين ، عميق الجذور في فؤاده . بيد أن قسوة قلوب المكيين أكرهته على الالتفات نحو الطائف ، حيث رجا أن يعيره القوم أذنا واعية . فمضى إلى هناك ، يصحبه زيد ، واتصل بثلاثة من أشراف [ ثقيف ] ، وكانوا أخوة ، [ وهم عبد يا ليل ، ومسعود ، وحبيب ، أبناء عمرو بن عمير ] ، [ ودعاهم إلى اللّه ] ، ولكن الاخوة الثلاثة أعاروه ، ويا لخيبته المريرة ، أذنا صماء . ولبث ثمة نحوا من عشرة أيام بلّغ خلالها رسالته أناسا كثيرين ، ولكنهم ردّوه - واحدا بعد آخر - [ ردّا قبيحا ] . لقد سخروا منه ، في كل مكان ، قائلين ان عليه ، إذا كان صادقا في دعواه ، أن يقنع عشيرته الأقربين أولا . وأخيرا سألوه أن يفارقهم ، حتى إذا غادر البلدة أغروا به سفهاءهم فتبعوه ساخرين صائحين . لقد اصطفّوا على الطريق من جانبيها حتى مسافة بعيدة ، ورشقوه بالحصى على رجليه . وحين سال الدم منه وعجز عن مواصلة السير ، حاول أن يجلس فأقبل عليه أحد السفهاء فرفعه من يده وصاح به : « تابع سيرك ، فليس لك حق في الاستراحة هنا . » وظل على هذه الحال ، حتى اجتاز ثلاثة أميال كاملة ، وأمطر