البراءة - لا لكونها مفيدة للظن ولا للاجماع على وجوب التمسك بها بل - لان العقل يحكم بأنه لا يثبت تكليف علينا إلّا بالعلم أو ظن يقوم على اعتباره دليل يفيد العلم ، ففيما انتفى الامر ان يحكم العقل ببراءة الذمة عنه وعدم جواز العقاب على تركه .
وفيه أولا ان قوله : « وما لم يحصل العلم به نحكم فيه الخ » . ان أراد منه عدم حصول العلم الاجمالي - أيضا - فهو كذلك لكنه خلاف المفروض وان أراد عدم حصول العلم التفصيلي ففيه ان عدم العلم التفصيلي لا يوجب البراءة مع ثبوت التكليف بالمجمل سيما مع التمكن بالاتيان به . فان قيل : لا نسلم العلم الاجمالي بالتكليف بغير الضروريات في أمثال زماننا واليقينيات قلنا : التكليف بغير الضروريات يقيني فانا نعلم أن في الصلاة واجبات كثيرة غير ما علم منها ضرورة ولا يمكننا معرفة تلك الا بالظنون و - أيضا - الضروريات أمور اجمالية غالبا لا يمكن امتثالها إلّا بما يفصلها .
واما - ثانيا - فلان قوله « لان العقل يحكم الخ » أول الكلام . لان حكم العقل اما ان يريد به القطعي أو الظني فإن كان الأول فدعوى كون مقتضى اصالة البراءة قطعيا أول الكلام - كما لا يخفى - سلمنا كونه قطعيا لكنه قبل ورود الشرع ، واما بعد ورود الشرع فالعلم بان فيه احكاما اجمالية بعنوان اليقين يثبطنا عن الحكم بالعدم قطعا . سلمنا ذلك - أيضا - لكن لا نسلم حصول القطع بعد ورود مثل الخبر الواحد الصحيح في خلافه . وان أراد الحكم الظني فهو - أيضا - ظن مستفاد من ظواهر الآيات والاخبار التي لم يثبت حجيتها بالخصوص .
[ لزوم ترجيح المرجوح على الراجح بترك العمل بخبر الواحد ]
الثاني - انه لو لم يعمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو بديهي البطلان . توضيحه ان الترجيح بمعنى الاختيار والمرجوح الموهوم والراجح المظنون .
وأورد عليه بأنه يتم إذا ثبت وجوب الافتاء والعمل ولا دليل عليه من العقل والنقل إذ العقل انما يدل على أنه لو وجب الافتاء والعمل يجب اختيار الراجح واما النقل فلا دليل على وجوب الافتاء عند عدم القطع بالحكم فلنقل بوجوب التوقف