تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
من الجمع بين الأفصح والفصيح فلا يتمّ الحجّة في الأعجاز إذ للنّاس ان يقولوا للنّبىّ صلّى اللّه عليه وآله اتيت بما لا قدرة لنا على جنسه كما لا يصحّ من البصير ان يقول للأعمى قد غلبتك بنظرى فتامّل وهذا المقال انّما هو في مقام المماشاة والّا فلنا ان نختار مسلك بعض أهل التّحقيق الحقيق بالتّصديق من الخاصّة بل العامّة أيضا كالغزالى والقاضي الباقلاني على ما حكى عنهما وهو انّ الآيات كلّها في أعلى درجات مقامات الفصاحة والبلاغة وان اختلفت جهات اظهار الفصاحة والبلاغة فيها بحسب اختلاف المقامات فانّه لا شكّ انّ البلاغة تقتضى ان يتكلّم في كلّ مقام بما يقتضيه الحال من الأسلوب واللّفظ وغيرهما فقد يكون مقتضى الحال تأدية المراد بطريق الكناية وقد يكون مقتضاها تاديته بطريق الاستعارة إلى غير ذلك من صنوف الكلام وضروب بيان المرام فالفصاحة الحاصلة في الكلام المشتمل على التّصريح مثل الحاصلة في الكلام المشتمل على التّعريض بحسب مقامهما وان كان الثّانى أبلغ والطف وكذا الكلام بالنّسبة إلى الحقيقة والمجاز وغيرهما فلا يكون القرآن مشتملا على الفصيح والأفصح والبليغ والأبلغ بل الكلّ في أعلى مرتبة الفصاحة والبلاغة نعم لا تنكر اختلاف الآيات في الاشتمال على المحسّنات واللّطائف والنّكات الظّاهرة عندنا وعند فصحاء العرب المعترفين بالعجز ولذا اختار كلّ من الأربعة اعني ابن أبي العوجاء وأبا شاكر الدّيصانى وعبد الملك البصري وابن المقفع المتعاهدين على نقض القرآن باتيان مثله أرباعا في العام القابل في مقام الإقرار بالعجز عن الإتيان بما وعد آية من القرآن تحيّر في فصاحته كما في الخبر المروىّ في الاحتجاج فانّ الذوق والمشرب يختلف في النّاس كسائر الغرائز بل اشتهر في الألسنة انّ افصح الآيات قوله تعالى
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
الآية وهذا ليس الّا لأسلوبه العجيب المطبوع عند الافهام المستقيمة والأذهان القويمة واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره من الآيات من المحسّنات البديعيّة فقد نقل الفاضل السّيوطى في كتاب الإتقان عن ابن أبي الإصبع انّه قال لم أر في الكلام الإلهي مثل قوله تعالى
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
فانّ فيها عشرين ضربا من البديع وهي سبع عشرة لفظة وذلك المناسبة التّامة في ابلعي واقلعى والاستعارة فيهما والطّباق بين الأرض والسّماء والمجاز في قوله يا سماء اقلعى فان الحقيقة يا مطر السّماء والإشارة في وغيض الماء فانّه عبّر به عن معان كثيرة لانّ الماء لا يغيض حتّى يقلع مطر السّماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء والأرداف في واستوت والتّمثيل في وقضى الأمر والتّعليل فانّ غيض الماء علّة الاستواء وصحّة التّقسيم فانّه استوعب فيه اقسام الماء حالة نقصه إذ ليس الّا احتباس ماء السّماء والماء النّابع من الأرض وغيض الماء الّذى على ظهرها والاحتراس في الدّعاء لئلّا يتوهّم انّ الغرق لعمومه شمل من لا يستحق الهلاك فانّ علمه تعالى يمنع بصفات الحسن كلّ لفظة سهلة مخارج الحروف عليها رونق من أن يدعو على غير مستحقّ وحسن النّسق وائتلاف اللّفظ مع المعنى والإيجاز فانّه تعالى قصّ القصّة مستوعبة باخصر عبارة والتّسهيم فانّ اوّل الآية يدلّ على آخرها والتّهذيب فانّ مفرداتها موصوفة بصفات الحسن كلّ لفظه فيها سهلة مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة مع الخلوّ من البشاعة وعقادة التّركيب وحسن البيان من جهة انّ السّامع لا يتوقّف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه والتّمكين لانّ الفاصلة مستقرّة في محلّها مطمئنّة في مكانها غير قلقة والانسجام قال الفاضل المذكور بعد نقله هذا ما ذكره ابن أبي الأصبع قلت وفيها أيضا الاعتراض انتهى أقول أنت خبير بان ابن أبي الأصبع لم يف ببيان تمام العشرين على مقتضى المنقول ويخطر بالبال ضرب آخر وهو الجناس النّاقص في ابلعي واقلعى

49 عقد وحلّ

ربّما يورد من جنح إلى مشرب النّصارى من المنتحلين للإسلام بانّ ما عليه أهل الإسلام من انّ فصحاء العرب عجزوا عن معارضة القرآن واقرّوا بفصاحته وبلاغته مم فلعلهم قد عارضوه بما لم يصل الينا أو ذهب من البين بعد ظهور شوكة الإسلام وهذا الإيراد انّما نشاء من قلّة الفهم وغلبة ظلمة الوهم وجوابه امّا بالنّسبة إلى الاحتمال الأوّل فهو انّه لو كان كذلك لما خفى سيّما مع توفّر الدّواعى واجتماع الهمم على نقل الأمور العجيبة والشّئون الغريبة سيّما في مثل هذا الشّأن والأمر الّذى كان منتهى آمالهم ومؤخر آجالهم حيث انّه لو تحقّق لم يحتاجوا إلى ما ارتكبوه من المحاربة والخصام بالسّيوف والسّهام فكيف لم يظهر هذا الأمر مع توفّر الدّواعى بهذه المرتبة وهل يكون هذا الأمر اقلّ من ضبط القصائد والخطب الفصيحة والقصص والأمثال المليحة ولقد لفّق مسليمة الكذّاب جملة من المزخرفات والتّرهات قد بقيت حكايتها إلى الآن وامّا بالنّسبة إلى الاحتمال الثّانى فهو انّه لو سلّم ذهابه من بين المسلمين فلا شبهة في توفّر الدّواعى على ابقائه من الكفّار من أهل الكتاب وغيرهم مع انّهم اضعاف أهل الإسلام بفرقه المتكثّرة سيّما اليهود الّذين هم اشدّ النّاس عداوة للّذين آمنوا ولم يدّع أحد من الكفّار ذلك حتّى من تصدّى من علماء النّصارى لردّ الإسلام مع اهتمامهم في اظهار كلّ ما ينطفي به نور الإسلام باعتقادهم فنحن معاشر المسلمين إذا كنّا لا نضايق من أن نضبط أمورا فيها كسر سورة نبوّة النّبى ص مثل موسى ع بحسب الأنظار القاصرة مع انّا معترفون بنبوّته ص مثل نقل اخراج السّامرى لبنى إسرائيل عجلا جسدا له خوار الّذى هو خرق العادة في الظّاهر فكيف يضايقون فيه مع انّهم منكرون لنبوة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ومن البيان المذكور ينحلّ شبهات كثيرة تورد على أهل الإسلام مثل التّشكيك في امر شقّ القمر وانكاره لعدم ضبط مورّخى الكفّار له ولولا مخافة التّطويل وخروج الرّسالة عن وضعها حجما وغرضا لاجلت اللّسان وأطلقت عنان البيان ولكن فيما ذكرته كفاية لمن راعى الأنصاف وجانب الاعتساف

50 عقد وحلّ

ربّما طعن بعض السّفهاء الّذين كانوا يخوضون في آيات اللّه تعالى في الكتاب الكريم بوجوه أحدها انّه خال عن الفصاحة والبلاغة إذ لا نظم ولا ترتيب له ولأنّه مشتمل على التّكرارات الكثيرة ومحتو على الكلمات الّتى لا فائدة فيها الّا التّقفية وثانيها انّه مشتمل على كثير من المطالب البديهيّة والقصص الواضحة الّتى لا فائدة في ايرادها لاشتهارها وثالثها انّه مشتمل على أمور لا معنى ولا محصّل له مثل قوله تعالى
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ *
وقوله تعالى
فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ ؟ ؟ ؟
الآية ورابعها انّه مشتمل على الاختلافات المؤدّية إلى التّناقض منها انّه تعالى قال
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
وقال
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ
حديثا فقد كتموا ومنها انّه تعالى قال
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
ثمّ انّه تعالى قال
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ *
ومنها انّه تعالى قال
أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
حتّى بلغ قوله
طائِعِينَ
ثمّ قال في آية أخرى
أَمِ السَّماءُ بَناها
ثمّ قال
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
ومنها انّه تعالى قال
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
ثمّ قال
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
ومنها انّه عزّ وجلّ قال
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
وقال تعالى
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
فانّ المؤجل خلاف الطّمأنينة ومنها انّه تعالى قال
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
وهو يدلّ على حصر آخر في غيرهما ومنها انّه تعالى قال
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً *
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ
وقال
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ
إلى غير ذلك من الآيات فانّ المراد من الاستفهام هنا النّفى والمعنى
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 451 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي