هذا إذا فرض كون العلّتين مجتمعتين وامّا إذا لم تكونا كذلك بان يفرض تبادلهما ابتداء أو تعاقبهما فاختلفوا فيه فالمشهور بينهم الجواز والسّيّد الشّريف جوّز الأوّل دون الثّانى لما تخيّله دليلا والتّحقيق امتناع كليهما جميعا على ما بينّاه في محلّه وامّا المعرّف فهو العلّة للوجود الذّهنى فله مقام الكشف لا التّاثير ومن هذه الجهة جوّزوا اجتماع المعرّفات على معرّف واحد لا يقال المعرّف هو العلّة للتّعريف فهو كالعلّة الحقيقيّة بالنّسبة إلى الوجود الخارجىّ فكما لا يجوز اجتماع العلل الحقيقيّة على معلول واحد فكذا لا يجوز اجتماع المعرّفات على معرّف واحد لما مرّ حرفا بحرف فالفرق بين العلّة والمعرّف غير واضح لأنّا نقول الملحوظ في العلّة التّاثير وليس له مراتب بالشّدّة والضّعف بعد فرض العلّة تامّة ووضوح عدم امكان تخلّف المعلول عن العلّة التّامّة والملحوظ في المعرّف هو الكشف ومراتب الانكشاف مختلفة فالمرتبة الحاصلة من اجتماع المعرفات غير المرتبة الحاصلة من انفراد بعضها فيجوز اجتماعها فافهم مضافا إلى ما ذكره بعض الأفاضل من الفرق بين الوجود الخارجي والذّهنى من حيث انّه لا يمكن صيرورة الشّيئين شيئا واحدا في الخارج بخلاف الموجود الذّهنى فانّه يصير الف موجود ذهنىّ موجودا واحدا بمعنى تطابق موجود واحد في الذّهن لألف موجود خارجىّ فينتزع من كلّ من الف موجود صورة ذهنيّة كلّها منطبقة على موجود ذهنىّ واحد كالسّواد المنتزع من جميع افراده ولذا ترى انّه يبطل دليل واحد فيما استدلّ عليه بادلّة كثيرة ولا يبطل المدلول بل هو بعينه باق على ما كان فيستفاد من كلّ معرّف موجود ذهنىّ ويتطابق جميع تلك الموجودات وتتّحد في الذّهن وان كان لا يخلو عن مناقشة واحقّ منه بالمناقشة ما ذكره بعض من لا تحقيق له من انّ المراد في صورة الاجتماع هو المعرّفية الشّأنية بمعنى انّ كلّا من المعرّفين أو المعرّفات لو لم يكن موجودا لكفى الآخر في التّعريف أو المراد تعريف كل منها بالنّسبة إلى شخص لا تعريفها اجتماعا لشخص واحد لوضوح بطلان تعريف المعرّف ووجه المناقشة ظاهرة مع انّ الأوّل يجرى في العلل الحقيقة كما لا يخفى والعجب اعتراف القائل به وعدم كف نفسه عن التّوجيه المذكور الثّانى ذكر بعض الأفاضل انّ علل الشّرع على ضربين أحدهما العلل المجعولة في الشّرع عللا وأسبابا لأحكام مخصوصة كعليّة الأحداث لوجوب الطّهارات والإفطار والظّهار ونحوهما لوجوب الكفّارات والإتلاف للضّمان إلى غير ذلك وهذه العلل إذا قيست إلى الأحكام المترتّبة عليها شرعا كانت معرّفات لها لا عللا حقيقيّة لانحصارها في الأربع وعدم اندراجها في الماديّة والصّوريّة ظاهر وكذا عدم كونها من العلل الفاعليّة لاستناد جعل الأحكام إلى الشّارع لا إليها وكذا عدم كونها من الغائيّة لوضوح انّ ليس المقصود من جعل الأحكام ترتّب تلك الأسباب عليها وثانيهما العلل الّتى هي منشأ الحكم وجهات حسن تشريعه ومحبوبيّته ومبغوضيّته كاسكار الخمر وهذه العلل علل حقيقيّة وليست بعلل جعلية وهذه العلل هي الّتى تقصد في قولهم انّ المعرّفات الشّرعيّة كاشفة عن علل واقعيّة وهذه العلل بالعلل المادّية أشبه منها بالعلل الغائية فما ذكره في القوانين احتمالا وفي الفصول تعيينا من انّ الاسكار علّة غائية بتقريب انّ المقصود من التّحريم ان لا يحصل السّكر للمكلّف ليس على ما ينبغي كما انّ جعل الضّرب الأوّل من العلل الفاعليّة كما صنعه الأوّل لو أريد الحقيقيّة أو منعه كما صنعه الثّانى لو أريد الظّاهريّة ليس كذلك الثّالث قيل ليس لما ذكروه من انّ علل الشّرع معرّفات مستند سوى اطباقهم وتسالمهم عليه ولولاه لأمكن الخدشة فيه ومجرّد التّداخل في بعض المقامات لا يكفى لاثبات ذلك إذ لقائل ان يقول ظاهر كلّ سبب استقلاله بمسبّبه ومقتضاه العلّيّة الحقيقيّة وإذا قام دليل على التّداخل يكشف عن اتّحاد العلّة الحقيقية لا انّه يوجب اجتماع العلّتين إذ القاعدة العقلية غير قابلة للتّخصيص الّا ان يقال بعدم وضوح الفرق بين ما ثبت فيه التّداخل وعدمه بل الكلّ من واد واحد وثبوت التّداخل في البعض ينبئ عن كون ذلك كلّه معرّفا لا علّة حقيقيّة أو يقال انّها ان علم كونها معرّفات فلم يعلم كونها عللا حقيقيّة وعدم جواز الاجتماع معلوم في الحقيقيّة ومشكوك في تلك الأسباب والقاعدة تقضى الجواز حتّى يثبت كونها عللا حقيقيّة فهي معرّفات انتهى ملخّصا وهذا الكلام بالنّظر إلى إجزائه من الغرابة في الذّروة العليا ولا حاجة إلى بيان ذلك بعد ما ظهر لك عدم امكان اندراجها في شيء من
العلل الأربع الّتى انحصرت فيها العلل الحقيقيّة فلا بدّ من كونها معرّفات الرّابع انّ المراد بالسّبب في العنوان الآخر هو الموجب لا العلّة التّامّة فانّ لفظ السّبب له اطلاقات في كلماتهم فانّه يطلق كثيرا في كلماتهم على العلّة النّفس الأمريّة الّتى هي المؤثّرة في وجود المسبّب والمعلول وربّما يطلق على الموجب في الظّاهر للحكم المعرّف الكاشف للعلّة الواقعيّة فهو بحسب الإطلاقين المذكورين يرادف لفظ العلّة بحسب ما ذكرنا لها من الضّربين ثمّ إنّه قيل انّ المراد من تداخل الأسباب تداخلها من حيث السّببيّة والاقتضاء أو تداخل مسبّباتها لا تداخل نفس الأسباب إذ لا يمكن تداخلها لانّه مفروض التّعدّد واعترض عليه بانّه ارتكاب بخلاف الظّاهر من دون بيان فالتّداخل في المقام نظير التّداخل في الأجسام وغيره أقول المراد من تداخل الأسباب جمعها على اثر واحد بترتيب مسبّب واحد عليها وهو ممّا لا امتناع فيه بناء على ما عرفت من معنى السّبب في المقام والّا فلو أريد جعلها سببا واحدا فهو واضح البطلان ولا فرق في بطلان هذا المعنى بين جعل متعلّق التّداخل الأسباب أم السّببيّة أم المسبّبات وكذا لو أريد ما يراد في مسئلة تداخل الأجسام كما ادّعاه بعض من لا خبرة له إذ المراد هناك تداخل الأجسام بعضها في بعض بحيث لا يزيد في الحجم مع انّ كلّ جسم ذو حجم وهذا ممّا لا ريب في بطلانه ولذا صرّح المحقّق الطّوسىّ ره في التّجريد بانّ بطلانه ضرورىّ وسره ما أشرنا ولذا جوّزوا تداخل ما لا حجم له كالخطوط في العرض والسّطوح في العمق فلو كان المراد مثل ذلك التّداخل كان عدم جوازه من المسلّمات بينهم بحيث لا يشكّ فيه العقلاء فضلا عن المحقّقين منهم مع انّ جمعا من محققي المتأخرين أنكروه وقالوا انّ ذلك الأصل أصل غير أصيل بل صرّح المحقّق الخوانساري ره في شرح الدّروس بانّه كلام خال عن التّحصيل الخامس معنى الأصل في قولهم الأصل عدم التّداخل امّا اصالة العدم الأولى وامّا الاستصحاب وامّا الظّاهر وامّا القاعدة المستفادة من ادلّة الأسباب والتّقريب انّ التّداخل يوجب اجزاء الفعل الواحد عن السّبب المتعدّد والأصل عدمه وكذا استصحاب حال العقل يقتضى ذلك وكذا الظّاهر من حال الأسباب المتعدّدة اقتضاء كلّ منها مسبّبا مستقلّا وكذا القاعدة المستفادة من ادلّة الأسباب في الموارد الجزئيّة والمسائل العملية تقضى ذلك ويسهّل تصديق ذلك بعد الاستقراء في أبواب الفقه من العبادات وغيرها فانّ المدار فيها على تعدّد المسبّبات عند تعدّد الأسباب ويمكن ان يراد بالقاعدة القاعدة العقليّة القاضية ببطلان التّداخل بمعناه الحقيقي فانّها تقتضى عدم جواز التّداخل الّا ذا ثبت انّه ليس من قبيل التّداخل الحقيقي كما في المعرفات والكواشف وكلّ واحد من المعاني المذكورة يمكن ارادته إذا بنى على انّ الأصل هو التّداخل على ما اختاره شرذمة منهم النّراقيان في بعض كتبهما والتّقريب حينئذ انّ مع عدم التّداخل يلزم تعدّد المسبّب والأصل عدمه مع انّ المسبّب لا يتعدّد الّا بتعدّد السّبب الحقيقىّ والّا لزم تعدّد المسبّب بتعدّد المعرّف أيضا والأصل عدم حدوث سبب حقيقي آخر ويمكن ان يقال انّ الأصل براءة
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 428
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٤٢٨