وحصول الامتثال به انّما جاء من قبل العقل والحاصل انّ امر الشّارع بالضّدّ على ذلك الوجه لا ضير فيه لتمكّن المكلّف من اتيان المأمور به في ضمن غير الفرد المضادّ للمأمور به كالإتيان بالصّلاة في غير زمان الأمر بإزالة النّجاسة عن المسجد وأداء الدّين وعدم جمعهما في زمان واحد بسوء اختياره لا يقال إذا بنى الأمر على ما ذكر من كون المأمور به شرعا هو الطّبيعة دون الفرد فيلزم ان لا يحصل الامتثال بالفرد والتزامه مشكل لانّا نقول يكفى في حصول الامتثال صدق المأمور به وحمله على شيء ولا يلزم كونه مأمورا به بخصوصه ولا يتوهّم انّ قاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشّرع تكفى في اثبات كون الفرد مأمورا به شرعا لعدم الحكم بالفرد في المقام من العقل أيضا غاية الأمر انّه يحكم بحصول الامتثال بالطّبيعة المأمور بها باتيان كلّ فرد وهذا ممّا يحكم به الشّرع أيضا ولا قبح في الأمر بالشّيء والتّرخيص في اتيان ضدّه والّا للزم انتفاء المباح كما هو مذهب الكعبي للأمر بالواجبات المضادّة له نعم لقائل ان يقول انّ حكم الطّبيعة يسرى إلى الأفراد فتكون مأمورا بها أيضا شرعا فيلزم المحذور لكنه يندفع بانّ من احكام الطّبائع ما لا يسرى إلى جميع الأفراد بل إلى فرد ما لأنّه يثبت للطّبيعة باعتبار وجودها في ضمن فرد ما وهو حكم الوجوب والنّدب بخلاف مثل الحرمة والكراهة فافهم ومنها ما ذكره الفاضل الجواد ره من انّ الظّاهر انّ القائل بانّ الأمر بالشّيء لا يستلزم النّهى عن الضّدّ الخاصّ يجوز صحّة ذلك الضّدّ لو أوقعه المكلّف فهو لا يسلم عدم الأمر بالضّدّ بل يذهب إلى تعلّق الأمر به ليتمّ حكمه بالصّحّة ومنها ما نقل عن الوافية في كلام طويل ملخّصه انّ الواجب امّا موسّع أو مضيّق وعلى كلّ حال فامّا موقّت أو غير موقّت وما ذكره لا يتمّ في الموسّع مط وكذا في الموسّع والمضيّق مط وامّا المضيقان الغير الموقّتان فإن كان ذلك في اوّل وقت وجوبهما فالتّخيير ان لم يكن بينهما ترتيب وامّا إذا مضى من اوّل وقت وجوبهما بقدر فعل أحدهما ففيه احتمالان كون وجوبهما في كلّ جزء من الزّمان تخييريّا لكن مع تحقّق الإثم على ترك ما تركه منهما بسبب تقصيره في التّأخير ان كان تقصير وكون وجوبهما في كلّ جزء منه حتميّا بمعنى عدم جواز تأخيرهما وامّا المضيقان الموقتان فما ذكره حقّ فيهما الّا انّه لم يرد في الشّريعة من هذا القبيل الّا ما تضيق بسبب تأخير المكلّف وح لا يمكن الاستدلال ببطلان أحدهما من جهة الأمر بالآخر ولا يتفاوت الحال من جهة كون أحدهما اهمّ بل الحقّ التّخيير وتحقّق الإثم بسبب ترك ما يختار حينئذ تركه ان كان التّأخير للتّقصير بل لا يبعد القول بوجوب كلّ منهما في هذا الوقت على سبيل التّخيير بين الأجزاء السّابقة من الوقت كما كان من اوّل الأمر وتحتم الفعل حينئذ لا يرفع التّخيير فيه بالنّسبة إلى ما تقدّم فافهم ومنها ما ذكره كاشف الغطاء ره وتبعه تلميذه المحقّق الأصبهاني ره وهو انّه يتمّ في ما إذا كان الأمران في مرتبة واحدة وامّا إذا كانا مترتبين بان يريد الأمر الإتيان بأحدهما على سبيل التّعيين فان اتى به والّا تعلّق به الامر الآخر فيكون التّكليف بالثّانى على فرض عصيان الأوّل فلا مانع منه أقول الوجوه المذكورة عدا الأخير لا يخلو شيء منها عن مناقشة متّجهة واردة وضيق المجال يمنعنا عن التّعرّض لها وامّا الوجه الأخير فقد أوردنا عليه في بعض زبرنا بوجوه منها انّ طلب الضّدين على وجه التّرتيب وان لم يستلزم التّكليف بما لا يطاق الّا انّه ممّا لا يدلّ عليه الأمر إذ مفاده المتبادر هو الطّلب التّنجيزى فيئول إلى المحذور المذكور ولكن الشّعلة الجوّالة الفكريّة حدتنى في هذا المقام على البسط في الكلام وانا لا اخمدها وأقول انّ الأمر التّرتيبى يتصوّر على وجهين أحدهما ان يكون الأمر بالثّانى مشروطا بمخالفة الأوّل وثانيهما ان يكون معلّقا عليها لا مشروطا بها وكلام المحقّقين المذكورين ناظر إلى الأوّل وصرّح بالثّانى بعض من حذا حذوهما نظرا إلى انّ الشّرط يجب ان يكون متقدّما على المشروط بحكم العقل لا متاخّرا عنه ولا مقارنا له فلا يتصوّر اشتراط الثّانى بالعصيان بالنّسبة إلى الأوّل ووجود الصّارف عنه لأنّهما متقارنان وامّا على القول بالتّعليق فلا يلزم ذلك إذ الواجب حينئذ مشروط بالوصف المنتزع وهو كون المكلّف ممّن يخالف
وهذا الوصف متقدّم وبمثل هذا ربّما يصحّح الشّرط المتاخّر كما في الإجازة بالنّسبة إلى المعاملة الفضوليّة حيث صحّح كونها شرطا بعضهم كذلك فالشّرط في الحقيقة هو الوصف المنتزع المتقدّم اعني كون المعاملة ممّا يتعقّبها الإجازة وان صحّحناه بوجه أسهل لا يحتاج إلى هذا التّكلّف والوجه الثّانى وان كان أوجه من جهة عدم ورود الأشكال عليه من الجهة المذكورة ولا من جهة توقّف الواجب على الحرام كما في الأوّل إذ لا اشتراط ولا توقّف فيه الّا انّه يرد عليه الأشكال من جهة أخرى وهي انّ المضيق واجب مطلق بمعنى انّه واجب سواء حصل المخالفة أم لا وليس مشروطا بعدم المخالفة فإذا كان كذلك لم ينفع تخصيص وجوب الموسّع بتقدير المخالفة لأنّ المضيّق واجب أيضا على هذا التّقدير فيعود المحذور من لزوم الأمر بالمتضادّين ويمكن دفعه بانّه ان أريد بوجوب المضيق على التقديرين انّ الطّلب حاصل كذلك بمعنى انّ الشّارع قال اطلب ممّن له صارف ومن ليس له صارف ان يوجد الفعل بدون الصّارف فهو حقّ ولا غائلة فيه وان أريد انّ الطّلب تعلّق بايجاد الفعل سواء كان مقارنا لوجود الصّارف أم لا فهو باطل إذ لا معنى لطلب الفعل كذلك والحاصل انّ التّقييد امّا للطّلب أو للفعل فإن كان الأوّل فهو مسلّم وان كان الثّانى فممنوع وح فالأمر بالموسّع انّما هو على تقدير مقارنة المضيق للصّارف ولا يلزم المحذور لأنّ تعميم المضيق انّما هو بالنسبة إلى الطّلب لا للفعل كما أشرنا فالقول بالوجوب التّرتيبى على نحو التّعليق لا غبار عليه بخلاف القول به على نحو الاشتراط فانّه مخدوش بما عرفت مع انّه لا يلائم مذهب ثاني المحقّقين المذكورين في مسئلة المقدّمة حيث انّه عمّم الوجوب بالنسبة إلى المقدّمة الموصلة وغيرها والمجامعة لوجود الصّارف الاختياري عن أداء الواجب وغيرها وهو لا يجامع القول بالوجوب التّرتيبى على الوجه الّذى اختاره وذلك لأنّ اللّازم من القول بوجوب المقدّمة مط وجوب ترك الضّدّ مط سواء كان مع وجود الصّارف عن المأمور به أم مع عدمه ومقتضى القول بالوجوب التّرتيبى انّ الفعل واجب مع وجود الصّارف فكلّ من قال بالوجوب التّرتيبى فلا بدّ ان يخصّ الوجوب بالمقدّمة الموصلة دون غيرها وممّا ينبغي ان ينبّه عليه اشكال يرد في المقام وهو انّ الصّارف عن الواجب قد يكون إرادة الضدّ وقد يكون غيرها وما ذكر انّما يتّجه في الأخير وامّا الأوّل فيشكل الأمر فيه من حيث انّ الإرادة ح سبب لأمرين ترك الواجب وفعل الضّدّ فتحرم لحرمة أحد معلوليها وهو ترك الواجب فيمتنع وجوب معلولها الآخر اعني فعل الضّدّ لأنّ ايجاب الشّيء حال تحريم علّته محال ولا ينفع فيه القول بالوجوب التّرتيبىّ التّعليقى الّذى مرّ الكلام فيه لانّ وجود الضّدّ بعد تحقّق الإرادة واجب ويمتنع ايجاب الواجب الّذى حصل سببه وبالجملة الأمر بالضّدّ امّا ان يكون بالنّسبة إلى تلك الإرادة مطلقا وهو باطل للزوم اجتماع الوجوب والحرمة أو مشروطا وهو كذلك أيضا لاستلزامه ايجاب الشيء بشرط وجود سببه وقد تكلّمنا في دفعه في شرح منظومتنا الأصولية بما لا مزيد عليه فليراجع اليه ثمّ انّ بعض الأواخر كصاحبى الفصول والضّوابط وغيرهما أقاموا حججا عقليّة ومؤيّدات اعتباريّة على عدم جواز الأمر بالضّدّين تركنا ذكرها وذكر ما يرد أو يورد عليها مخافة التّطويل
17 عقد وحلّ
من جملة ما وقع فيه التّدافع تعريف الأصوليّين