تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
المستحبّ بانّه ما يترتّب على فعله الثّواب ولا يترتّب على تركه العقاب والمكروه بالعكس مع ما ذهب اليه بعضهم من انّ ترك المستحبّ مكروه ووجه التّدافع انّه يعتبر في المستحبّ اشتماله على مصلحة ذاتيّة تقتضى وقوع الفعل لا تبلغ حدّ الوجوب وفي المكروه اشتماله على منقصة ذاتيّة تقتضى عدمه كذلك ولا تعتبر في الأوّل اشتمال تركه على المنقصة كما لا يعتبر في الثّانى اشتمال فعله عليها فيعتبر في فعل المكروه ما لا يعتبر في ترك المستحبّ من المنقصة وهذا ينافي جعلهم ترك المستحبّ مكروها وتحقيق المقام على وجه ينكشف به الظّلام انّ في كلماتهم عنوانين أحدهما انّ الأمر بالشيء ندبا هل يقتضى النّهى عن ضدّه تنزيها أم لا وثانيهما انّ ترك المستحبّ هل هو مكروه أم لا ولا بدّ ان يراد من العنوانين معنى واحد والّا لم يعقل للثّانى معنى صحيح إذ لا شكّ انّ المكروه هو ما تعلّق به النّهى التّنزيهىّ الكاشف عن منقصة دينيّة تلزم فاعله فلا يتصوّر الكراهة بدون وجود النّهى فلو أريد به انّ المستحبّ بمقتضى تعريفه الّذى ذكروه يقتضى ان يكون تركه مكروها لم يصح لانّ غاية ما يقتضيه هو مرجوحيّة التّرك اللّازم من رجحان الفعل وهي غير الكراهة المصطلحة المبتنية على المنقصة فحاصل العنوانين يرجع إلى ما يشبه النّزاع المعروف من انّ الأمر بالشّيء هل يقتضى النّهى عن ضدّه المراد به تحقيق حال الامر الوجوبي وح يتّجه النّزاع كما يتّجه في الأمر الوجوبي سواء أريد فيه من الضّدّ الضّدّ العامّ أم الضّدّ الخاصّ وعلى هذا فلا تدافع بين ما يظهر من التّعريف وبين الكلام المذكور لما أشرنا من انّ محطّ نظرهم فيه هو دلالة الامر النّدبى على النّهى التّنزيهى الكاشف عن الكراهة المنبعثة عن المنقصة فمن يدّعى كون ترك المستحبّ مكروها يدّعى كون الامر النّدبى دالّا على النّهى عن ضدّه العامّ أو الخاصّ أيضا ومن ينكره ينكر ذلك والحقّ انّ الإقرار بذلك لا يلازم الإقرار به أيضا لما ذكره بعض الأفاضل من انّ النّهى التّنزيهى لا يقتضى الّا مرجوحية التّرك اللازمة لرجحان الفعل واين هي من الكراهة المصطلحة حتّى انّه لو بنى على دلالة الأمر على النّهى عن الأضداد الخاصّة تنزيها أيضا كان المراد مجرّد المرجوحيّة نظرا إلى لزومها من حيث كون ترك الأضداد من مقدّمات المستحبّ المفروض لكون ترك أحد الضّدّين مقدّمة لفعل الآخر فلا يقتضى ذلك الّا مرجوحيّة ذلك الفعل عن تركه من حيث كون تركه مؤدّيا إلى ذلك المندوب ولا ينافي ذلك استحبابه في نفسه ورجحان فعله على تركه بملاحظة ذاته بل ورجحانه على المستحبّ المفروض أيضا والحاصل انّ المعتبر في الكراهة المصطلحة هو المرجوحيّة لمنقصة دينيّة في فاعلها غير محرّمة ولا ريب انّ مجرّد تفويت الثّواب أو ترك الرّاجح لا يوجب ذلك وبهذا فرق بعض الأفاضل بين المكروه وخلاف الأولى الّذى جاز صدوره عن الأنبياء السّابقين كما نطق به الآيات والأخبار فلئن قلت النّهى التّنزيهى يكشف عن حزازة غير محرّمة في التّرك إذ لا ينهى عن شيء بدونه فيلزم القول بالكراهة المصطلحة حينئذ قلت مجرّد النّهى لا يفيد ذلك ألا ترى انّ العبادات المكروهة كالصّلاة في الحمّام منهىّ عنها بالنّهى التّنزيهى مع انّه لا يراد من الكراهة فيها المعنى المصطلح بل يراد قلّة الثّواب لتضادّ الأحكام كلّها فلا يجوز اجتماع اثنين منها أو أكثر في شيء واحد كما حقّق في محلّه مع انّ النّهى الضّمنى التّبعى غير النّهى الصّريح الأصلي فانّ الأوّل لا يفيد الّا التّصريح بالعقد السّلبى الموجود في الأمر بالشيء من جهة الملازمة بين رجحان الفعل ومرجوحيّة التّرك فيلاحظ الحال في كلّ موضع بحسب ما يستفاد من الأمر من العقد السّلبى ففي الأمر الوجوبي يكون اللّازم من وجوب الفعل حرمة التّرك فيفيده النّهى التّبعى على القول بالاقتضاء من أصله وفي الأمر النّدبى يكون اللّازم مجرّد المرجوحيّة اللّازمة لاستحباب الفعل وهي غير الكراهة المصطلحة المنبعثة عن الحزازة وبمثل ذلك استدلّ المفصّل في مسئلة الاقتضاء وعدمه بين المقامين فانّه قال انّ طرف التّرك في المستحبّ ملغى لأنّه ما يثاب فاعله من دون تعرض لحزازة في جانب التّرك فلا تلازم فيه بخلاف الواجب فانّه ما يعاقب تاركه ومن هنا يقوى في النّظر القول بالتّفصيل في تلك المسألة ان أريد الكراهة المصطلحة من النّهى التّنزيهى كما هو الظّاهر من محطّ النّزاع حيث انّ مرجوحيّة التّرك ممّا لا يقبل النّزاع والّذى يرشد إلى ذلك مضافا إلى ما أشرنا اليه ما قيل من انّه لو بنى على كراهة ترك المندوب لزم ابطال المباح إذ ما من وقت الا ويندب فيه فعل وان كان تتميم ذلك موقوفا على اثبات انّ استغراق الأوقات بالمندوبات بحيث يكون كلّ فعل يصدر من كلّ مكلّف سوى الضّروريّات العقليّة والشّرعيّة ندبا مندوب والّا فلمانع ان يمنع ذلك بانّه لا يستدعى الّا ابطال المباحات المضادّة لكلّ المندوبات أو المندوب الدّائمى لأنّ استغراق الوقت بالمندوبات لا ينافي الاشتغال بمباح يجتمع معها فانّه في كلّ ان لو اشتغل بمندوب يجتمع معه مباحات لا تضادّه صدق استغراق الأوقات بالمندوبات مع انّه لا يبطل كثير من المباحات بالكلّيّة في جميع الأوقات بل بعضها لا يبطل أصلا والأنصاف انّ اثبات المقدّمة المذكورة لا يخلو عن اشكال وما يقال في اثباتها من انّه قد ورد لكلّ عضو ما ندب إلى اشتغاله به ولا شكّ انّه يلزم ممّا ورد انّ استغراق الوقت باشتغاله به في غير أوقات الضّروريّات مندوب لا يخلو عن ضعف مثل ما يقال أيضا من انّ من المندوب الدّائمى الصّلاة ولو لم نقل بتضادّ كلّ المباحات لما ندب اليه لكلّ عضو فيها فلا شكّ في تضادّ معظمها بحيث لو بقي منه شيء غير مضادّ لم يكن الّا يسيرا ونفى المباح على هذا الوجه كنفيه بالكلّيّة في انّه مخالف للإجماع ووجه الضعف يظهر بالتّامّل ثمّ انّه ربّما يسلم عكس القضيّة المذكورة اعني انّ ترك المستحبّ مكروه وهو انّ ترك المكروه مستحب مع عدم تسليم الأصل ووجه الفرق على ما ذكره بعض السّادة الأجلّة من علمائنا المعاصرين انّ جانب التّرك مرعىّ في المكروه حيث عرفوه بانّه ما يثاب تاركه بخلاف المستحبّ فالملحوظ فيه جانب الفعل وإذا أحطت خبرا بما حقّقناه تعلم انّ مجرّد مثل ذلك لا يكفى في الفرق وان أمكن اثبات الفرق بنحو آخر فتدبّر

18 عقد وحلّ

ممّا حادت فيه الأفهام وتاهت فيه الأوهام هو الجمع بين ما تسالموا عليه من انّ العلل الشّرعيّة معرّفات وليست عللا حقيقيّة وما ذهب اليه المشهور من عدم جواز تداخل الأسباب وحكمهم بتعدّد المأمور به بتعدّد الأمر النّاشى من تعدّد الأسباب وتحقيق المقال في حلّ هذا الأشكال بالتّكلّم في مقامات الأوّل انّ المراد من العلّة الحقيقيّة العقليّة ما يكون علّة للشّيء بحسب وجوده الخارجىّ الّذى يترتّب عليه الآثار فيكون حصول المعلول بتأثيرها ومنه يعلم انّه لا يؤثر في معلول واحد الّا علة واحدة وانّ اجتماع العلّتين المستقلّتين على المعلول الواحد ممتنع عقلا وهذا الحكم وان كان كالبديهىّ الا انّ أهل المعقول استدلّوا عليه وتقرير الاستدلال من وجهين أحدهما انّه لو كان كلّ واحدة من العلّتين بخصوصها علّة مستقلّة لمعلول واحد بخصوصه كما هو المفروض لزم احتياجه إلى كلّ واحدة منهما لكونها علّة له واستغنائه عن كلّ واحدة منهما لكون الأخرى علّة مستقلّة في علّيّته وهو محال ثانيهما انّه حينئذ لو توقّف على كلّ واحدة منهما كان مجموعهما مجموع ما يتوقّف عليه المعلول فلا يكون شيء منهما علّة مستقلّة لكونه بعض مجموع ما يتوقّف عليه المعلول والعلّة المستقلّة هي المجموع هذا خلف ولو توقّف على واحدة منهما بعينها كانت هي العلّة دون الأخرى أو لا بعينها كان خارجا عمّا نحن فيه ولو لم يتوقّف على شيء منهما لم يكن شيء منهما علّة له
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 427 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي