بشكّ عرض من جهة كثرة الشّكّ وكذلك قاعدة الشّكّ بعد الفراغ فانّ المضىّ مع الشّكّ كما هو مقتضاها يستلزم نقض اليقين باشتغال الذمّة وكذا الشّكوك الواقعة في الصّلاة المأمور بالبناء فيها على الأكثر ويمكن المناقشة في المثال الأوّل بجعله من باب الحكومة لأنّ الظّاهر من قوله لا يعتمد كثير الشّكّ الخ سبق جعل عليه والّا فلا معنى للبناء أو عدم الاعتناء فيكون من قبيل ادلّة العسر والحرج الحاكمة على ادلّة الأحكام وكذا المثال الثّانى فانّ ذلك فيه مبنىّ على عدم جعل القاعدة من باب الأمارات الكاشفة وهو ممنوع لكون التّعليل فيها بكون الشّكّ اذكر حين العمل العمل ظاهرا في كونها امارة لا من باب التّعبّد الصّرف فيكون من باب الحكومة لا التّخصيص ولا التّخصّص امّا الأوّل فلانّه يأتي بالحكم المخالف ويرفع المعارضة كالمفسر بالنّسبة إلى المفسر وامّا الثّانى فلأنّ الدليل كما انّه يثبت تغير الحكم يقتضى تبدّل الموضوع حسبما هو مقتضى الكاشفيّة وامّا الثّالث فلعدم ارتفاع الشّكّ عن المكلّف حقيقة إذ لا يمكن زواله الّا بالعلم الوجداني وانّما امر باخذ مفاد الدّليل هو الواقع ثمّ انّه لا ثمرة لهذا الخلاف إذا لم يلاحظ التّعارض في البين ولم يلاحظ ما يترتّب عليه الّا ان يقال انّ من جعله من باب التّخصيص قد لاحظ ذلك قوله ولا تخصّصا بمعنى خروج المورد اه أقول قيل التّخصّص هو ان يلوح من مدارك الاستصحاب تقدّم الأدلّة عليه بل إن تشتمل على ذلك وليس المراد به هو ان يكون الحكم المشكوك مرفوعا بارتفاع موضوعه كما يتوهّم فانّ كون ذلك لأجل ارتفاع الموضوع احتمال رابع في عرض الاحتمالات الثّلاثة من التّخصيص والتّخصّص والحكومة وان لم يقل به أحد وأنت خبير بما فيه فان أجنبي عن الاصطلاح ووحشىّ عن كلمات القوم قوله لأنّ هذا مختصّ بالدّليل اه أقول إذ ليس الدّليل الاجتهادي مط وان لم يكن علميّا برافع للشّكّ بالمرّة إذ لا يقطع بمطابقته للواقع بمجرّد كونه دليلا اجتهاديّا وان كان ناظرا إلى الواقع مرآة له فهو علم شرعىّ لا علم وجداني والمطلوب في التّخصّص هو الثّانى لا الأوّل فبعد قيامه يكون الشّكّ باقيا الّا إذا كان مفيدا للقطع الوجداني كالاجماع المحصّل والضّرورة والخبر المتواتر قوله ومعنى الحكومة اه أقول قد يقال انّ مراد الفقهاء من التحكيم في المقام هو معنى آخر وهو مطلق الوارد بفهم العرف والعقلاء وفيه ما لا يخفى ثمّ انّ هذا التّعريف للحكومة اظهر ممّا ذكره في باب التّعارض والتّراجيح لخفاء جريانه في بعض الموارد فان ملخّص ما ذكره هناك في تعريفها ان يكون الحاكم ناظرا بمدلوله إلى المحكوم عليه ومفسّرا له بحيث لو قطع النّظر عن هذه الملاحظة لكان لغوا والتّفسير قد يكون جليّا يفهمه كلّ أحد كما إذا قال أكرم العلماء ثمّ قال أردت غير زيد وقد يكون خفيّا لا يفهمه الا الخبير البصير بلطائف التّفسير كما في ادلّة الضّرر والحرج بالنّسبة إلى جميع التّكاليف الشّرعيّة الإلزاميّة وادلّة المسارعة بالنّسبة إلى الأوامر وممّا ذكرناه يظهر الفرق بينه وبين التّخصيص وسيأتي توضيحه قوله وربّما يجعل العمل بالأدلّة اه أقول جاعله ايّاه من باب التّخصص هو صاحب الفصول ره وقد يقال في تسديد كلامه وتقريب مرامه انّ معنى حجّية خبر الواحد مثلا هو انّه عبارة عن جعل مؤدّاه مطابقا للواقع وتنزيله منزلته في جميع الأحكام المترتبة عليه ومن جملتها رفع اليد به عن الحكم المشكوك فيه وبعبارة أوضح الخبر الواحد طريق من طرق الامتثال بالواقع كالطّريق القهري وكما يرفع اليد بوجود الطّريق القهري اى القطع عن الحكم المشكوك فيه في مسئلة الاستصحاب لحصول الامتثال بخطاب لا تنقض اليقين بالشّكّ لحصول اليقين برفعه فكذلك بوجود ما هو بمنزلته لارتفاع الشّكّ حينئذ وان كان حكما بجعل الجاعل وأنت خبير بما فيه فانّ المدار في ارتفاع الشّكّ على اليقين الوجداني كما أسلفناه قوله ولعلّ ما أورده عليه المحقّق القمّى ره اه أقول ملخّص ايراده على ما هو صريح كلامه انّه ان أراد من الدّليل ما ثبت رجحانه على معارضه فلا اختصاص لهذا الشّرط بالاستصحاب وان أراد منه ما يقابل الأصل ففيه منع الاجماع في الاستصحاب وان أراد انّ الاستصحاب من حيث انّه استصحاب لا يعارض الدّليل النّطقى من حيث هو هو اجماعا فله وجه كما انّ العامّ من حيث انّه عامّ لا يعارض الخاصّ من حيث انّه خاصّ والمفهوم من حيث انّه مفهوم لا يعارض المنطوق
وكذلك لا ينافي تقديمه لامر خارج كما في العامّ والمفهوم وممّا يقضى منه العجب انّ بعض الفضلاء المعاصرين قرء في العبادة الدّليل القطعي بدل قوله الدّليل النطقي فابرق وارعد وصاح وغرد موردا على المحقّق بانّ الدّليل القطعي لا يقدم عليه الاستصحاب وان اعتضد بألف معاضد مع انّ الكلام ليس في الدّليل القطعي خاصّة بل في مطلق الدّليل الاجتهادى وليس مثله الّا مثل من يحكى انّه قرء في عبارة بعض المحققين من أهل الحكمة الوجود التحت بدل قوله الوجود البحت فاورد عليه بانّه يلزم التّحديد على وجود الحقّ ولا ضير في أمثال ذلك بعد ما تحقّق انّ الإنسان محلّ النّسيان قوله فلا دخل له بما نحن فيه اه أقول قد ذكر في عدم المدخليّة وجوه منها ما ذكر في المتن ومنها انّ عمل الأصحاب بالاستصحاب فيه ليس به نفسه بل بموافقة اخبار أخر أيضا مضافا إلى ردّهم دلالة الاخبار المخالفة فانّها مختلفة غاية الاختلاف مع انّ بعضها من قبيل قضايا الأحوال كما يظهر للمتامّل فيها ومنها انّ القائلين بالقول المشهور وان لم يكونوا على نمط واحد في باب اخبار الآحاد من الاقتصار على الصّحاح الّا انّهم صاروا إلى ما صاروا وطرحوا اخبار الأربع سنين مراعاة لقاعدة نفى الحرج الّتى تعد من أصول المذهب عند جمع المقتضية لعدم الطّلب في المدّة المذكورة ومنها انّه لمّا كان الطّلب من اربع جوانب في هذه المدّة ممّا لا يتحمل في الأغلب فصار بمثابة ما ليس له مصداق صار المشهور إلى ما صاروا اليه لا انّهم لا يعبئون بما كشف السّلطان امره أربع سنين ومنها ما أشرنا سابقا من أن عملهم بالاستصحاب في هذه المسألة لا ينافي الاجماع على تقديم الدّليل الاجتهادي نظرا إلى انّ الأخبار الواردة فيها من قبيل الادلّة الفقاهتيّة ولا يرد عليه ما قد يتخيّل وروده من انّ الاجماع لم ينعقد على تقديم الدّليل على الاستصحاب من حيث انّه معنون بعنوان انّه دليل اجتهادي لانّ هذه اللّفظة من الألفاظ المستحدثة فيما يقرب من عصرنا بل هو منعقد على تقديم الدّليل الشّرعى الّذى هو غير الأصول وذلك لأنّ هذه اللّفظة وان كانت مستحدثة لكنّها مستقيمة بحسب اللّبّ وقويمة بحسب المعنى حقيقة مع انّا نمنع كون معقد الاجماع ما ذكر بل معقده تقديم ما هو ناظر إلى الواقع كاشف عنه غير مأخوذ فيه الجهل سواء سمّى بهذا الاسم أم لم يسمّ والتّحقيق عندي انّ بناء المشهور على العمل
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 351
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٣٥١