في جبلّات الأشياء غير هذا الانقلاب ولا دخل لأحدهما في الآخر كما هو ظاهر عند أهل ذلك الفن الثّانى الانقلاب الصّورى وهو تبدّل الصّورة النّوعيّة الّتى يختلف بها الأجسام أنواعا فانّهم اثبتوا في محلّه انّ الكلّ واحد من أنواع الأجسام الطّبيعيّة صورة أخرى غير الصّورة الجسميّة بها يصير ذلك النّوع نوعا ولذا سميت صورة نوعيّة اى منسوبة إلى النّوع بالتّقويم والتّحصيل وتسمّى طبيعة أيضا باعتبار كونها مبدأ للحركة والسّكون الذّاتيّين وقوّة أيضا باعتبار تأثيرها في الغير وكما لا أيضا لصيرورة الجنس به بالفعل نوعا مركبا وذلك كما في انقلاب العناصر بعضها ببعض بوسط أو بغير وسط كانقلاب الماء هواء وبالعكس إلى غير ذلك فلا شكّ انّ مادّتها وصورتها الجسميّة باقيتان بعد الانقلاب وانّما تبدّلت الصّورة النّوعيّة بصورة نوعيّة أخرى ومن هذا القبيل انقلاب الكلب ملحا والعذرة دودا والحطب رمادا الثّالث الانقلاب العرضي وهو ان ينقلب العوارض إلى عوارض أخرى ويدخل فيه التبدّل بحسب الزّمان والتّغير بحسب الكيفيّات المعبّر عنه عندهم بالاستحالة والتّغيّر بحسب المكان ومنه الانتقال الّذى ذكره الفقهاء كانتقال دم الإنسان إلى بطن البرغوث والبعوضة وممّا ذكرنا ظهر لك انّ الانقلاب والاستحالة والانتقال أمور مختلفة مفهوما ومصداقا وانّ الفرق بين الانقلاب والاستحالة هو انّ الاوّل عبارة عن تبدّل الصّورة النّوعيّة والثّانى عبارة عن تبدّل الكيفيّة والفقهاء عكسوا الأمر على ما لا يوافق اصطلاح أهل المعقول فسمّوا انقلاب الكلب ملحا بالاستحالة وانقلاب الخمر خلّا بالانقلاب مع انّ الأليق والأنسب حسبما ذكرناه العكس في التّسمية لكن بنائهم في أمثال هذه الأمور على التّسامح ولذا ربّما يتراءى من ظاهر كلماتهم انّ النّسبة بين الاستحالة وكلّ من الانقلاب والانتقال عموم مط باعميّة الأوّل وربّما يستفاد بملاحظة اطلاقهم الانتقال على ما هو من الأمور المعنويّة والحالات الباطنيّة كانتقال الكافر إلى الإسلام انّه اعمّ من وجه من كلّ من الاستحالة والانقلاب إذا عرفت هذا فنقول مقتضى المداقّة العقليّة عدم جريان الاستصحاب في القسم الاوّل لو فرض جوازه وتحققه وكذا الثّانى وكذا الثّالث بالنظر إلى غالب افراده وامّا بناء العرف فهو مختلف لا ضابط له ففي كثير من مسائل الطّهارة والنّجاسة بنائهم مستقرّ على الاستصحاب فإذا حكم الشّارع بنجاسة الكلب بعد صيرورته ملحا حكم العرف بانّها هي النّجاسة السّابقة وكذا في حكم الشّارع بطهارة السّمك بعد موته حيث يحكمون انّ الطّهارة هي الطّهارة السّابقة الموجودة في حال الحياة لا انّها حكم جديد مماثل للحكم السّابق ففي أمثال هذه المقامات لو لم يحكم الشّارع ببقاء الحكم السّابق من الطّهارة والنّجاسة يحكم العرف به من باب الاستصحاب وفي بعض المقامات لم يستقر بنائهم عليه كما لو حكم الشّارع بنجاسة المنى ثمّ حكم بنجاسة ولد الكافر المتكوّن منه لم يحكم العرف ببقاء الحكم السّابق بل جعلوا النّجاسة الثّابتة لولد الكافر نجاسة أخرى فلا يكون من مجارى الاستصحاب لعدم احراز الموضوع فيه عرفا ولعلّ سرّ استقرار بنائهم فيما ذكر من مسائل الطّهارة والنّجاسة انّهما عندهم من قبيل الأوصاف العارضة للأجسام من حيث هي وانّ الوصف العنواني سبب لعروضهما لها لا انّه مقوّم لها محلا لهما بل وكذا الأمر في مثل جواز اللّمس والنّظر إلى الزّوجة بعد الموت مع صيرورتها بعد الموت جمادا فالوصف العنواني لا مدخليّة له في الحكم عندهم بحيث يكون منشأ لاختلافه ولذا لو فهموا مدخليته لم يجروا الاستصحاب ألا ترى انّهم لا يحكمون ببقاء الطّلب المتعلّق بالعنوان المخصوص بعد زواله ولو فرض حكم يقولون انّه حكم جديد مثل السّابق لا عينه فإذا قال المولى أكرم الرّجل العالم ثمّ تغيّر العلم إلى الجهل لم يحكموا ببقاء الحكم بل حكموا باحتياجه في البقاء إلى امر جديد وبعد حصوله لم يقولوا انّه الحكم السّابق فكانّهم جعلوا الاحكام الشّرعيّة الّتى هي من الجعليّات من قبيل سائر الأعراض في الافتقار إلى المحلّ القابل للمحليّة والأوصاف وان لم تكن قابلة للمحليّة لكنّها تصلح للتّحسين والتّقبيح اللّذين هما المدار والمناط في الأحكام الشّرعيّة فتدبّر وامّا الفقهاء فهم في المقام في قال وقيل ونحيب وعويل ولهم كلمات مختلفة مضطربة فربّما ترى بعضهم يفرق بين الانقلاب والاستحالة والانتقال وربّما ينسج بعضهم كلّها على منوال وتارة يفرق بعضهم بين نجس العين والمتنجّس وأخرى بين بعض أمور متّحدة المناط وبعضها الآخر كالرّمادية والدّودية في مسئلة استحالة النجس
وكلام بعضهم في مقام نفى الاستصحاب ناظر إلى عدم الجريان وكلام آخرين مشعر بعدم الحجّيّة بعد الإمكان فعليك بالتّامّل والتّتبع واستخراج الحقّ الحقيق بالتّصديق واللّه ولىّ التّوفيق قوله وبهذا الوجه يصحّ اه أقول بل نسب اوّلهما القول بحصول الطّهارة إلى أبى حنيفة ونسبة الخلاف إلى أبى حنيفة يشعر بعدم القول به عند أهل الوفاق وامّا ثانيهما وان حكم ببقاء النّجاسة في المنتهى لكنّه تنظر فيه في القواعد فانّه قال فيه وفي تطهير الكلب والخنزير إذا وقعا في المملحة فصارا ملحا والعذرة إذا امتزجت بالتّراب وتقاوم عهدها حتّى استحالت ترابا نظر وعن المحقّق الثّانى في شرحه بيانا لوجه النظر ينشأ من انّ الأجزاء النّجسة باقية لم تزل وانّما تغيرت الصّورة وكما انّ النّجاسة حكم شرعىّ لا يثبت الا بالدّليل كذا حصول الطّهارة موقوف بالدّليل ومن انّ مناط النّجاسة هو تلك الصّورة مع الاسم لان احكام الشّرع جارية على المسمّيات بواسطة الأسماء إلى أن قال وقد خرّج الفاضل ولد المصنّف بقاء النّجاسة تارة على كونها ذاتيّة وأخرى على انّ الباقي مستغن عن المؤثّر وزوالها على احتياجه وأورد عليه بوجوه منها انّ بناء الطّهارة على احتياج الباقي غير واضح لان احتياجه في البقاء لا يقتضى زواله باختلاف الزّمان ولا بتغيّر محلّه والّا لكان الحكم الشّرعىّ الثّابت بدليل في كلّ ان زائلا بكلّ تغيّر يعرض لمحلّه وهو ظاهر الفساد وقد تقرّر في الأصول انّ استصحاب الحال حجّة إلى أن يحصل النّاقل فان قيل لمّا كان المقتضى للنّجاسة هو تعليق الشّارع ايّاها بالاسم والصّورة المخصوصين وجب ان يعتبر بقائهما في بقائه قلنا ليس المقتضى للنّجاسة هنا ذلك بل المقتضى نصّ الش على نجاسة الجسم المعيّن ولا يعتبر لبقاء الحكم الّا بقاء ذلك الجسم ولا دخل لاحتياج الباقي واستغنائه في بقاء الحكم وزواله مع بقاء المحلّ فانّ ذلك مخلّ بحجّية الاستصحاب انتهى كلامه رفع وزيف المحقّق القمّى ره استصحاب النّجاسة بمعارضته بما دلّ على حكم حقيقة المستحال اليه من التّراب والدّود والملح والدّليل مقدّم على
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 345
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٣٤٥