العرفيّة بمعنى تعيين المراد من اللّفظ فلو كان جهة البحث في المسألة هي الجهة العقلية فلا سبيل للعرف اليه ولذا حقّقنا في مباحث اجتماع الأمر والنّهى انّ التّمسّك في امتناعه بفهم العرف فاسدان أريد ان العرف يفهمون التّعارض بين الأمر والنّهى في حدّ ذاتهما ويجعلون اجتماعهما محالا إذ اثبات ذلك ونفيه من وظيفة العقل لا العرف نعم لو أريد به انّ العرف بعد ملاحظتهما يقدمون النّهى ويقولون انّ اطلاق الامر غير شامل لمورد الاجتماع كان له وجه ثانيها انّه علم ممّا ذكرناه في كلماتنا السّابقة انّ الاستصحاب المعتبر بحسب الدّليل هو ما يجرى فيما اتّحد فيه النّسبتان السّابقة واللّاحقة وبعبارة أخرى يجرى فيما لا يرجع الشّكّ الّذى هو من أركانه إلى الموضوع والمحمول بل إلى النّسبة بمعنى انّ الشيء المقتضى لنسبة المحمول إلى الموضوع في القضية اعني العلّة هل هي محدثة أو مبقية أيضا فإذا صدر من الشّارع كلام في بيان حكم لموضوع وفرضنا عبارة أخرى له كما في مثل الماء المتغيّر نجس والماء إذا تغيّر فهو نجس فقد يفهم العرف انّ المقصود من العبارتين واحد وليس الاختلاف الّا بمجرّد التّفنن وتقييد الموضوع بالوصف العنواني في إحداهما والنّسبة في الأخرى ليس الغرض منه الاختلاف في المفاد والمراد وقد يفهمون انّ الاختلاف لإفادة الاختلاف ففي الصّورة الأولى يجرى الاستصحاب وان حصل العلم بعدم بقاء الموضوع بزوال الوصف الرّاجع اليه نظرا إلى انّ كلمات الشّارع الصّادرة عنه في بيان الأحكام منزلة على طريق المحاورات العرفية فمثل تلك الصّورة تكون مشمولة لاخبار الباب ونظير ما ذكرناه هنا ما حقّقناه في زبرنا الاصوليّة في مباحث مقدّمة الواجب في مقام الايراد على شيخ الفحول صاحب الفصول حيث فرق بين الواجب المعلّق والمشروط في وجوب المقدّمة وعدمه بتقريب انّ الزّمان قيد للوجوب في الأوّل وللواجب في الثّانى مثل ان يقال صم يوم الخميس وان يقال صم إذا دخل يوم الخميس من انّ العرف لا يفهمون من كلتا العبارتين ولا يستفيدون من كلا الخطابين الّا وجوب الصّوم في يوم الجمعة فالمسامحة غير المداقة ثالثها عمل الأصحاب حيث انّهم اجروا الاستصحاب فيما لا يمكن تصحيحه الّا مع هذا البناء إذ ليس له دليل من الاجماع وغيره ولا مدخليّة للخصوصيّة أيضا كما في مسئلة الكرّ زيادة ونقصانا مع انّ مرجع الشّكّ جزئيّة الزّائد والنّاقص حقيقة والشّكّ في الجزئية أولى بالمضايقة من الشّكّ في القيد والوصف وكما في مسئلة الماء المطلق إذا امتزج بالمضاف بحيث يشكّ في بقاء الإطلاق وعدمه المقام الثّانى في تحقيق الحقّ وهو عند دقيق النّظر الاعتماد على الميزان الأوّل لما مرت الإشارة اليه ولضعف متمسّك الميزانين الأخيرين الّا ان يبنى في تشخيص الميزانين أيضا على المسامحة وهو لا يخلو عن شبه دور وشبهة مصادرة امّا متمسّك الأوّل منهما فلانّ صحّته مبنية على جعل الأحكام الشّرعيّة تابعة للأسماء كما اختاره بعض الأفاضل وامّا على ما هو التّحقيق من تبعيّتها لموضوعاتها الواقعيّة وان مجرّد الصّدق الأسمى غير كاف في ثبوتها فلا يصحّ ذلك وامّا متمسّك الثّانى فلاشتراط تماميّة اوّل وجوهه بعدم المسامحة وترك المبالاة كما ذكرناه ووجود الشّرط في المقام غير معلوم وهو كاف في انتفاء العلم بالمشروط ومنع الأخيرين لضعف أحدهما ثانيها بمنع حجّية مثل هذا الإجماع لعدم كونه كاشفا عن الحجّة ومع تسليم حجّيّته نقول انّ التّمسّك به في المقام غير مفيد لأنّ اعتبار الاستصحاب عند جلّ الأصحاب انّما هو من باب الوصف والظّنّ لا من باب الأخبار كما عرفت فلا عليهم ان يمنعوا حجّيّة الأصل المثبت وفي الموارد المجمع عليها لا اشكال في اجراء الاستصحاب بالنسبة إلى الكلّى مثل ان يستصحب كون الحوض المعيّن المشكوك الكريّة محصّلا للكريّة وذلك لان الموضوع معلوم البقاء على فرض جريان الاستصحاب بالنّسبة إلى الكلّى ويلزمه كرّيّة الفرد الخاصّ والقائل بحجّيّة الأصول المثبتة يلتزم به ولا غائلة فيه عنده فان أريد الاجماع عند القائلين بالحجّيّة من باب الظّنّ فلا ينفع في اثبات المقصود إذ ليس ذلك الّا من باب اثبات اللّوازم للمستصحب الّذى يكون موضوعه معلوم البقاء وان أريد الإجماع عند القائلين بالحجّيّة من باب التّعبّد فهم لا تحكمون في الموارد المذكورة ببقاء الأحكام لعدم العلم ببقاء موضوعاتها ولضعف الآخر بعدم اثباتها الكلّيّة الّتى هي المقصود وحاصله يرجع إلى التّفصيل بين صورتي الشّكّ في المقتضى والرّافع المقام الثّالث في بيان اقسام تبدّل الموضوع وتشخيص احكامها
وانّ بناء العرف في اىّ قسم منها ثابت وفي اى قسم منها غير ثابت فاعلم انّ انقلاب شيء إلى شيء آخر مغاير له يتصوّر على وجوه الاوّل الانقلاب الذّاتى المعبّر عنه عندهم بانقلاب الماهيّة وهو ان ينقلب ماهيّة شيء من حيث هي إلى ماهيّة شيء آخر بحسب المعنى والمفهوم وهذا هو الّذى اشتهر بينهم انّه ممتنع وعليه يحمل ما في كلام الشّيخ الرّئيس حيث قال في بعض كلماته ان قلب أعيان صور الموجودات ممتنع ولا فرق في الاستحالة والامتناع بين انقلاب نفس الماهيّة إلى ماهيّة أخرى أو انقلاب وجودها إلى وجودها من غير مادّة مشتركة يتبدّل عليها الصّور بحسب الانفعالات وبهذا ينقدح فساد ما ذهب اليه السّيّد صدر الدّين الشّيرازى المعروف بين الأواخر بسيّد المدقّقين في مقام التفصي عن الأشكال الوارد في الوجود الذّهنى من اجتماع مقولتين في شيء واحد من القول بحصول حقايق الأشياء بأنفسها في الذّهن مع انقلابها قال لفظه لمّا كانت موجوديّة الماهيّة مقدّمة على نفسها فمع قطع النّظر عن الوجود لا يكون هناك ماهيّة أصلا والموجود الذّهنى والخارجي مختلفان بالحقيقة فإذا تبدل الوجود بان يصير الموجود الخارجي موجودا في الذّهن لا استبعاد ان يتبدل الماهيّة أيضا فإذا وجد الشّيء في الخارج كانت له ماهيّة امّا جوهر أو كم أو مقولة أخرى وإذا تبدّل الوجود ووجد في الذّهن انقلبت ماهيّة وصارت من مقولة الكيف إلى أن قال فان قلت انّما يتصوّر هذا الانقلاب لو كان بين الموجودات الذّهنيّة والخارجيّة مادّة مشتركة تكون بحسب الوجود الذّهنى كيفا وبحسب الوجود الخارجي من مقولة المعلوم كما قرّروا الأمر في الهيولى المبهمة في ذاتها حقّ الإبهام فتصير باقتران كلّ صورة عين حقيقتها وظاهر انّ هاهنا ليست مادة مشتركة بين جميع الموجودات قلت انّما استدعى هذا الانقلاب المادّة لو كان انقلاب امر في صفة كانقلاب الهواء ماء وامّا انقلاب نفس الحقيقة بتمامها إلى حقيقة أخرى فلا يستدعى مادّة مشتركة موجودة بينهما نعم يفرض العقل لهذا الانقلاب امرا بينهما عاما انتهى فانّ الانقلاب على هذا النّحو غير جائز وفرض القدر المشترك الّذى هو بمنزلة المادّة لا يجدى وامّا ما أورده عليه الحكيم الفيلسوف المعاصر في شرح منظومته فليس على ما ينبغي فراجع ولا يذهب عليك انّ ما حقّقه صدر المحقّقين من الحركة الجوهريّة
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 344
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٣٤٤